كنوز نت نشر بـ 13/11/2018 10:27 pm  



وجه في الذاكرة .. غازي شبيطة مناضلًا وشاعرًا ملتزمًا



بقلم: شاكر فريد حسن



حين نكتب عن المرحوم غازي شبيطة ( أبو وهيب ) فإننا نكتب عن واحد من المناضلين القدامى، وعن أحد مؤسسي فرع الحزب الشيوعي في الطيرة، الذي كان له دور قيادي هام في كل المعارك النضالية والمفاصل التاريخية لجماهيرنا العربية الفلسطينية في الداخل، وعن شاعر ملتزم بقضايا الوطن وهموم الانسان الفلسطيني وعذابات الانسانية جمعاء.

انضم المرحوم غازي شبيطة الى صفوف الحزب الشيوعي سنة ١٩٥٨، وشارك في جميع نضالاته ونشاطاته وفعالياته السياسية، وأشغل منصب سكرتير منطقة المثلث الحزبية، وكان أول عضو في مجلس الطيرة المحلي.

في العام ١٩٩٢ أجريت لشبيطة عملية جراحية للقلب، فاظطر إلى الخروج للتقاعد والتوقف عن المشاركة في النشاطات الحزبية والفعاليات الوطنية، والتفرغ للقراءة وكتابة الشعر.

عرف المرحوم غازي شبيطة بميوله الأدبية، فكتب القصيدة النثرية والعمودية، ونشر بواكير قصائده في مجلة " الجديد " الثقافية الفكرية التي كان يصدرها الحزب الشيوعي، لكنه توقف ولم يواصل درب الشعر بسبب انشغاله في العمل التنظيمي والميداني للحزب، وتوجه لكتابة المقالات والمعالجات السياسية.
لكنه بعد الخبر للتقاعد عاد مرة أخرى للشعر، وراح ينشر كتاباته في صحيفة " الاتحاد " ومجلة " الاصلاح " الثقافية الشاملة، ثم عمل على جمع قصائده واصدارها في ديوان شعري اختار له عنوان " النكبة والمسيرة "، وصدر عن دار الأماني للنشر والتوزيع في عرعرة، وهو عصارة تجربته الابداعية والحياتية الغنية.

وفي شعر المرحوم غازي شبيطة حنين كبير لقريته " مسكة " التي هجر منها، وتجذر في عمق الأرض والوطن، ومقاومة لسياسة السلطة العنصرية.

وتتدفق قصائده بالصور والأخيلة التي تتعانق مع أحلامه كفلسطيني يحلم ويأمل بالخلاص من واقع القهر والاحتلال، واقامة الوطن الفلسطيني الحر المستقل.
 قصائده واضحة تصل حد المباشرة والتقريرية، وتخلو من الرموز والغموض الذي يميز قصائد العديد من شعرائنا المعاصرين، ومفعمة بحب الانسان والوطن.

وفي ديوانه قصائد عن النكبة واللاجئين وبلده المغتصبة مسكة والحكم العسكري البغيض ومجزرة كفر قاسم ويوم الأرض، بكل ما يمثله ويجسده من تكريس للبقاء وصيانة الارض والانغراس فيها ومنع مصادرتها.

كذلك نراه يهتف للمراة في عيدها العالمي، وللعمال في أول أيار، ويرثي صديقه الصدوق سعد الدين- الدحمس، ومحود درويش الوحي والبقاء.

ومما قاله في درويش:
محمود دوحة شعر صيغ من حبق
                      له عبير وفيه قوة الدبق
رسمت وحيكَ أشعارًا منمقة
   كراصد الشمس خلف السحاب والشفق
فكنت منبع أقوال بها عِبَر
          محبوكة من جميل النطق والخلق
إذ باعك طالت كنز ما جمعت
            لسان يعرب كي يغني بها الذلق
فصرت تغرف من بحر اللسان كمن
          يغوص يلتقط الأقراط في العمق
فكنت اسعد إذ ألقاك منتشيا
         لانتشي من قوافي كاسك الدهق
وكنت أصغي إلى ترتيل آيك في
        صبر البتول أوى للمعبد الدحق
جرس التعابير والإلقاء يأخذني
              إلى تهوًّم بين النوم والأرق

نطيل سهدًا وكأس الشعر يسكرنا
      من دون ضيق ولا شكوى ولا حنق
فإن سكتّ يصير العزف ثالثنا
           فننتشي دون إزعاج ولا شدق

وفي شعره مسحة من التفاؤل والأمل رغم رداءة وحلكة المرحلة، ونجده يحذر من الوقوع في فخ اليأس، لأنه يعطل عقل المرء ويلقيه إلى بحر الضياع والتدهور، ويصير اليائس لا يدري ولا يبصر أو يسمع إلا ما يقول:

عندما يستفحل داء اليأس
في الإنسان أثناء المسيرة
تصبح الرؤيا كليله
والدلالات عسيره
ويظل المرء مهزومًا
وما في اليد حيلة.!
فهو ينسى أن فجر الصبح
لا يبزغ الا بعد ان يشتد
في الليل ظلامه
فاحذروا الخوف من الليل
وعرّوا اليأس
وسوقوه قوه إلى قبر زواله
فظلام الليل يجلوه طلوع الفجر
وأما اليأس تدمينا نصاله

ويرى شبيطة أن اليأس ينمو في نفوس وصدور الضعفاء، وهو سوط بأيدي الأثرياء:

يكبر اليأس وينمو في نفوس الضعفاء
ويزيد الطين بلة سوء فعل الأثرياء
فهو سوط في أياديهم لجلد الفقراء
فاحذررا الخوف من السوط
كونوا أقوياء
فإذا خفتم سياط الظلم
لا يبقى لكم غير البلاء
فاستعدوا لنزال اليأس لتحموا البسطاء.!

ونجد في قصائد شبيطة البعد الذاتي والانساني الطبقي، والوطني والسياسي الفلسطيني، وكل ذلك بأداء مفعم بالبساطة الآسرة والحميمية، ويجمعها خيط الصدق العفوي، بعيدًا عن التصنع والتكلف.

غازي شبيطة شاعر سياسي تتنوع موضوعاته بين الوطنية والسياسية والانسانية، الهم الوطني والطبقي هاجس أساسي ومركزي في قصائده، والقضايا القومية والوطنية تتصدر اهتماماته، ويتجلى في قصائده حب الأرض واحترام الانسان بغض النظر عن مذهبه ودينه وملته، فضلاً عن شوقه العاصف الدائم لبيادر قريته " مسكة ". وهو يصور هموم الوطن والانسان، ويعيش معاناة وعذابات شعبه وأوجاعه، وآلام المسحوقين فوق كل أرض، ويطرز كلمات الحب للناس وبسطاء الشعب والمرأة، منحازًا للعمال والكادحين والشغيلة الذين يكتبون التاريخ بدمائهم ويصنعون المستقبل الجميل الزاهي بعرقهم، وينتصر لقضيتهم الطبقية.

فلغازي شبيطة الرحمة والذكرى الخالدة وطاب ثراه الطهور .