كنوز نت نشر بـ 24/09/2018 05:43 pm  



رغم الحروب والنزوح، فإنهم متمسكون بالـ«أديغة خابزة»..

 قانونٌ ينظّم حياة الشركس



كنوز - يعدُّ الشركس سكان بلاد القوقاز الأصليين، أحد أقدم الشعوب التي دخلت الإسلام في أوروبا، ويحدّ بلادهم من الشمال روسيا ومن الجنوب تركيا ومن الغرب البحر الأسود والشرقي بحر قزوين. ويطلق اسم شركس على كل الشعوب التي تسكن شمال القوقاز، لكن شعب الأديغة بقبائلهم الــ12، يعدون بمثابة الوطن الأم لشعوب الشركس، وهم من مسلمي السنة الذين اعتنقوا الدين الإسلامي بداية من انتشاره في أراضي القوقاز في العام22 للهجرة. وتتكون منطقة شمال القوقاز حالياً من 7 جمهوريات تتمتع بحكم ذاتي ضمن الاتحاد الفيدرالي الروسي، ومن ضمنها الأديغا وقبردينو «بلقاريا» وقراتشاي «تشيركيسيا» تعد بمثابة الوطن الأم لشعب الشركس.

حرب الـ 100 عام وعام!

شهد شمال القوقاز بين عامي 1763 و1864 حرباً استمرت 101 عام بين الروس وشعوب المنطقة المسلمة، وصنفت تلك الحرب باعتبارها من أكثر الحروب دموية على مر التاريخ. حيث راح ضحيتها أكثر من 500 ألف قتيل من سكان القوقاز، فضلاً عن تهجير مئات الآلاف من الشركس وغيرهم من شعوب المنطقة. وأصبحت نسبة الشركس الذين يعيشون بالخارج حوالي 80% من تعداد الشعب الشركسي. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي 1991 تشكلت فيدرالية روسية ضمت الجمهوريات الشركسية الثلاث ذات الحكم الذاتي.

من القوقاز إلى بلاد الشام.. رحلة نزوح طويلة لم تمنعهم من التمسك بتراثهم

هاجر الشركس من شمال القوقاز بعد انتهاء الحرب الروسية القوقازية، وكانت وجهتهم الأولى تركيا، والمناطق التي تسيطر عليها الدولة العثمانية كالأردن، وسوريا، ولبنان، وفلسطين. ودخلت أول قبيلة شركسية إلى الأردن في عام 1878، واستمر تدفقهم خلال فترة الحكم العثماني فوصل عددهم آنذاك ما بين 15 إلى 17 ألف شركسي، مع العلم أن أكبر تواجد للشركس في الوطن العربي هو في الأردن. وكانت بدايات الشركس في فلسطين عام 1878، وظلوا محتفظين ومتمسكين بهويتهم وعاداتهم الخاصة، تمركز الشركس في قريتي كفر كما شرق طبريا، والريحانة في الجليل. كما استوطنت العديد من الأسر الشركسية خلال عمليات التهجير في مدن العراق، خاصة في الفلوجة، حيث كان أول من استوطنها الشركسي مصطفى إسماعيل وعائلته. كما سكن الكثير الشركس في سوريا خاصة في القنيطرة، وحلب، ودمشق وحمص والرقة.

الجذور التاريخية للشركس.. وأصول تسمية «أديغة»

الأديغة هم أصل الشراكسة، وأكثرهم شهرة والتزاماً بالعادات والتقاليد الخاصة بهم التي تسمى بــ»أديغة خابزة». وكلمة أديغة اشتقت من كلمة «أتي-خه» وتحولت إلى «أديغي» والتي فسرتها بعض المصادر بمعنى النبيل، أو النجيب، أو الإنساني.

الموروثات الثقافية.. عادات مُنظمة تحمل الهوية

كما ذكرنا، أنه في منتصف القرن التاسع عشر نزح الشركس بأعداد كبيرة إلى بلاد الشام، وأصبحوا إحدى دعائم المجتمع. وعلى الرغم من اندماجهم في المجتمع المحيط به والتأثر بثقافته، إلا أنهم لا يزالون يحتفظون بجميع موروثاتهم الثقافية المرتبطة لبيئتهم الأصلية. وتشير الاستطلاعات التي أجراها أحد الباحثين الأردنيين وشملت 148 شركسياً في الأردن إلى أن 25% من العادات الشركسية يمارسها الشركس دائماً، في حين يمارسون 30% من العادات في المناسبات، و45% من تلك العادات لم تعد تمارس كمراسم الزواج، والمضافات، وتربية الأطفال. وأشارت نتائج الدراسة أيضاً إلى تواصل الشركسيين تحت مظلة الجمعية الخيرية الشركسية في عمان، والجمعيات الخيرية المنتشرة في المدن التي يقطنونها، في محاولة منهم للحفاظ على تراثهم، فإنهم ينظمون زيارات لموطنهم الأصلي.

الأديغة خابزة! القانون الذي يخضع له الشراكس منذ القِدم

الشركس منذ أقدم العصور يتألفون من قبائل وعشائر ويرأس كل قبيلة رئيس ينتمي إلى أسرة عريقة يتصف بالحكمة والرّوية والاتزان والرجولة والكرم ويطلق عليه اسم (البشْه). ومن الممكن القول إن نظام الحكم عند الشراكسة منذ القدم وقبل وجود الحكومات هو أشبه ما يكون بحكم الأشراف. والقبيلة عادة تقسم إلى عدة مجموعات صغيرة وعلى رأس كل منها رئيس أقل رتبة من (البشْه) ويطلق عليه اسم (لفالاش) ومن دونه في المرتبة يطلق عليه اسم (وَرْق). وهؤلاء يشبهون الحكام الإداريين وهم يحلون مشاكل القبيلة ويتصرفون في الأمور التي تحتاج إلى معالجة بين الأفراد والجماعات لديهم. وهناك مجلس أعلى له صلاحية النظر في الشؤون العامة كإعلان الحرب ومحاكمة الرؤساء المنحرفين والمخالفين للعادات والتقاليد (أديغة خابزه)

ينظم الحياة الاجتماعية والأخلاقية

التزم الأديغة منذ بدء تواجدهم بالقانون التراثي الذي يسمى «الأديغة خابزة«، ويعد بمثابة دستور متكامل يوثق العادات والتقاليد القديمة التي يقدسها الشركس. ويحدد السلوكيات الاجتماعية التي تناسب أفراد ومجتمع الشركس، وينظم حياتهم اليومية، وكافة تعاملاتهم. ونقلوا هذا القانون معهم من القوقاز إلى البلاد التي هجروا إليها ولا يزالون يطبقونه ويعملون به حتى يومنا هذا. الأديغة خابزة تعني منظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية الشركسية المتعارف عليها، التي يتعلمها الشاب الأديغي خلال حياته ويتعلمها من الأفراد الأكبر منه ومن المعيب أن يقوم بأي عمل مخالف لها. وإن للخابزة عند الشراكسة معاني مختلفة ومدلولات متنوعة، أهمها أنها تشكّل ضوابط سلوكية وقانونية وأخلاقية يخضع لها الحاكم والمحكوم والمحكمة. من الناحية الاجتماعية تنظّم حياة الإنسان منذ اليوم الأول لولادته، وتضع ترتيباً له بدءاً من ملابسه الأولى وطرائق تربيته وتعليمه وتدريبه، ثم تتابعه حين يكبر. تنظّم أمور الزّواج والحياة العائلية حتى يهرم المرء ويموت، فهي بذلك تصل إلى العلاقات الإنسانية الحميمة لتنظيمها وضبطها وفق قواعد لا تجد إلا الاحترام.

الإنسانيّة والأخلاق قبل كل شيء

وضعت الأديغه خابزة لتسيير مجتمع الشركس وتنظيم شؤونه، وسار على أسسها الشركس حتى بدايات القرن العشرين، ومن أهم ما يميز دساتير الشراكسة؛ الاحتشام والصبر، والتواضع، فتجد الشركسي لا يمتدح أفعاله أو يتحدث عنها لأن ذلك مناف للأخلاق، ولا تُمجد أعمالهم إلا في الشيخوخة أو بعد موت صاحبها. فمن ميزات الشعب الشركسي التي علمتهم إياها الأديغة خابزة التسامح وعدم الإحراج، ولو أساء إليهم أحد فعليهم تجنب لقائه، وإفساح الطريق له عند مقابلته. كما كرمت هذه الدساتير المرأة، فيجب على الرجل كبيراً كان أو صغيراً أن يقف لها احتراماً إذا مرت به، وإذا ما كان على متن حصانه فينبغي عليه التنحي عن عنه حال مرور امرأة أمامه. ويلتزم الشراكسة باحترام وتوقير كبار السن، فمن يخالف ذلك يتعرض لعقاب يتم تحديده في اجتماع عام لكبار الأديغة والذين يسمون باسم «تحماتا» أو «تحمادا». ويحفظ الأديغه خابزة لكبار السن حق احترامهم بغض النظر عن مكانتهم الاجتماعية، أو مراكزهم، أو وظائفهم. كما يمنع الدستور الشركسي الفتية الصغار من مشاركة الكبار في الأحاديث، ويجب على الشباب ألا يرفعوا أصواتهم أمام الكبار.

المضافة الشركسيّة!

أحد أشهر العادات والملامح التراثية التي ميّزت الأديغة هو ما يعرف بمجلس المضافة الشركسية هاتشئيش. ويتخذها كبار الشركس والذين يسمون باللهجة المحلية العربي الكبارية أو باللغة الشركسية «تحماتا»، يتخذوها مكاناً لمناقشة وانتقاد ما يستجد مِن أمور وأحداث وقرارات فيما يتعلق بالعادات والتّقاليد والحروب والخلافات مع القبائل الأخرى. كما يتم أيضاً سرد التواريخ وإنشاد الأغاني والأشعار.

الكرم وحسن استقبال الضيوف!

أحد أهم ما علمته الأديغة خابزة للشراكس هو حسن استقبال الضيوف وإكرامهم. إذ يستضيف الشراكسة الضيوف وعابري السبيل بغض النظر إن كانوا من أقربائهم أو غرباء. من عادات الشراكسة بناء مضافة ملحقة بكل منزل، مهما اختلف المستوى الاجتماعي، وتكون منفصلة عن المسكن، وتخصص للضيوف فقط. وتحتوي المضافة سريراً، وسجادة، وحماماً، ومأكلاً ومشرباً، ويبقى بابها مفتوحاً دائماً ليتمكن عابرو السبيل من دخولها وقتما يشاؤون. ويتجنب الشراكسة سؤال ضيوفهم عن سبب الزيارة لمدة 3 أيام، وبعدها يحق له السؤال عن أي شيء يشغله. وخلال فترة بقاء الضيف، يدعو المضيف بعض جيرانه وأصدقائه من المناسبين لسن الضيف من أجل تسليته وكي لا يتركوه دون جليس. وعندما يحل الضيوف على الشركسي، يقيم الأخير حفلات سمر للتسلية تضم برامج غناء، ورقص، ومسابقات، وشعر. وليس للضيف الحق في التدخل في شؤون مضيفه، كما لا يحق له الخروج من المضافة إلا لأمر مهم. كما أن على الضيف كذلك إخبار مضيفه عن المدة التي يمكثها، ويجب ألا يطيل، والّا يغادر سريعاً كي لا يسبب الحرج لمضيفه. وكان إكرام الضيف من السمات البارزة في مجتمعهم، ويشهد بذلك القاصي والداني ولم يزر أحد مناطق القوقاز إلا وسجل إعجابه بطرق الضيافة عندهم. وقد وردت كثير من الكتابات بأقلام أشخاص مشهورين ومنهم الراهب (جان دي ليوك) عام ‏1925م حيث قال: (لا يوجد شعب في الدنيا يولي ضيفه اهتماماً مثل الشركس)

سكان القرية هم عائلة واحدة!

ومن أهم العادات الشركسية ربط الجيرة بالقرابة عن طريق الرضاعة، فتجد بذلك سكان القرية عائلة واحدة، ويكثر الأخوة في الرضاعة، ولأنهم مسلمون سنيون، فيضطرون بذلك للزواج من خارج القرية. ويتسبب ذلك في توسع نطاق القرية، مما يؤدي إلى تشكل كتلة بشرية قومية بالرضاعة والمصاهرة.

السهرة الشركسية!

ينظم دستور الشراكسة حياة الشباب، فيعمل على تحميس الشباب وتشجيعهم من خلال إقامة منافسات فيما بينهم خلال جلسات شبه إسبوعية تسمى «السهرة». وتقسم السهرة لعدة أقسام يتم خلالها التحدث والرقص ويحضرها الفتيات والشباب فقط، كما أن للسهرات أعرافاً وتقاليد معروفة لا يجوز تجاوزها كحضور أحد كبار القرية. ولزيادة الحماس والتنافس بين الشباب تحضر الفتيات هدايا من صنع أنفسهن ليختار الفائز هديته من بين هداياهن.

قوانين صارمة لزرع الصدق والشجاعة في الجيل الجديد

من أهم قوانين الأديغة خابزة هو أن العاطفة والرجولة بالنسبة للشراكسة ضدان لا يلتقيان. لذا تجد الرجل الشركسي لا يحمل طفله ولا يداعبه ولا يأكل معه كي لا تؤثر عليه العاطفة. تتحمل الأم مسؤولية تربية أبنائها لتزرع فيهم القيم الطيبة كالصدق، والاستقامة، والشجاعة. إذا اقترف الطفل الشركسي خطأً أو ذنباً، فيمنح فرصة ثانية، على أن تحكى على مسمعه قصة تشبه ما اقترفه من ذنب، ويعطى نصائح بطريقة غير مباشرة كي لا يفقد عزة نفسه. يغزو «الأديغة خابزة» أهمية كبرى للأخلاق الحميدة لدى الشراكسة إذ يعتبرون كلمة أديغه مرادف لكلمة الإنسانية فإذا ما ارتكب أحدهم خطأ أو إثماً ما، يقال له ألست أديغه؟ هذا وتندرج سائر القوانين الشفهية التي تنظم جميع مبادئ الأخلاق الفردية والاجتماعية للحياة تحت اسم «خابزة» وتعتبر أمراً مقدساً يقوم مجلس الشورى التخاماديين بمعاقبة من لا يعمل وفقها. وبشكل عام من الثابت أن الأعراف والعادات والتقاليد القومية معرّضة دوماً للتغير والتبديل والزيادة والنقصان وفق الزمان والمكان لكل الشعوب والأمم. لكن الملاحظ عند الأديغة (الشراكسة) أن الأديغة خابزة كانت ثابتة تقريباً لأزمان كثيرة، وكانوا يتمسكون بها بقوة غير طبيعية، ولا يزالون متمسكين بها حتّى وقتنا هذا.















عربي بوست