كنوز نت نشر بـ 23/09/2018 03:14 pm  



حصار قرطاج



قصيدة للشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة

شجرٌ من غرامْ
أنزوي،
أتوحَّدُ،
أخشى مفاجأةَ الأصدقاء
وضجيجَ الترامْ.
فَعلُنْ، فاعلنْ وفَعولنْ وَفالْ
جذرها واحدٌ في الخليل وقرطاج حتى الغصونْ
موحدةٌ عندما تطرحُ المشكلة
هكذا أبدأ المرحلة
من مراكبِ كنعانَ في المتوسطِ تبحثُ
عن مرفأٍ في التخومْ
شجرٌ في الوعودْ
شجرٌ في الكلامْ
حين ردّوا السلامْ
أطلقوا نارهمْ في جفونِ القصيدْ
صار قلبي رُكاماً وراءَ الركامْ.
كوْمةً من حديدْ.
(سيِّدي... بوسعيدْ):
يا إلهي وقلبكَ فوقَ الصخورِ العتيقةِ
مرتجفاً كالغمامْ
كدتُ أصرخ: هذي الرعودْ
ستفاجئهمْ دونَ كلِّ الأنامْ
وعلى السفحِ
حيث المقاهي رياضْ
داكناً منزلي
كان رغم البياض.
وعلى السفحِ مثل الخيولْ
كنتِ مجنونةً، والرفيقاتُ حولكِ مثل الحَرَسْ.
وفي الأُذْنِ قِرْطٌ جميلْ
آهِ – قرطاجُ: وجهكِ سمحٌ لذيذْ
حورةٌ ضامرٌ وعراقيبُها كالفَرَسْ
وسرخَسُها غارقٌ هادئ في المدى
وسمرتُها ربّما من نبيذْ
فخذها زبدةٌ... ويداي الرغيفْ
ومائي
يُبلّلها بالندى
العيونُ مسائيةٌ كالغجرْ
تقدحان مطرْ
شجرٌ من شَرَرْ
وحشةٌ في ضجيجِ الصهيلْ
قال (هاني) لبعلِ الذؤاباتِ في الفجرِ
هل غربتي قد تطولْ
ومتى يبدأ الصقرُ قرعَ الطبولْ
رشفَ الكأسَ ثمَّ ارتجفْ
حاصرته طيورُ الذهولْ
فجأةً
فجأةً أومضتْ في الخليلْ
صار قلبي رخامْ
كوْمةً من ضجرْ
صار قلبي حجرْ
أومض القلبُ ثانيةً في الخليلْ
صار كفّي حَجَرْ.
شجرٌ من طيوفْ
كدتُ أنسى مذابحَ أهلي
على صخرةٍ
وتَشَتتَنا وانكسارَ الوَتَرْ
ورنين َالسيوف.
شجرٌ من غرامْ
وهْجكِ البربريّ العنيفْ
غابةٌ من حمامْ
غابةٌ من مطرْ
ومَساكِ يخيفْ
أومضتْ، أومضتْ في الخليلْ.
كان قلبي حَجَرْ.
صار كفّي حجرْ.
- اذبحوا الخوفَ فينا
يُشَرّشُ
حتى يثور الذليلْ
واركلوا جثةَ الخوفِ في حُفرةٍ،
وبلا أثَرٍ، أو دليلْ
خَرَسٌ وارفٌ كالنخيلْ
من خليجِ المحيطْ
من محيطِ الخليجْ
بكاءٌ يزلزلُ أركانَ هذي البيوتْ
نشيجٌ غميقْ.
- نحاولُ مُلكاً، وقد لا نموتْ
نحاولُ حتى يشيبَ الوليدْ
نحاول حتى يذوبَ الحديدْ.
سيِّدي... بوسَعيدْ:
نحاولُ مُلكاً... وقد لا نموتْ
بثوبِ السُمومِ الذي أرسَلَتْهُ لنا الرومْ
خلفكَ رومٌ، حواليكَ رومٌ، وفي الماءِ رومٌ،
وفي الشايِ رومْ
في الصحافةِ رومٌ، وفي كُتب الجامعاتْ
في أسرَّةِ زوجاتنا في البُيوتْ
نحاولُ مُلكاً وقد لا نموتْ.
- يا امرأ القيْسِ،
مالي أراك حزيناً صموتْ
البلاغةُ ذمَّتُها واسعةْ
يا امرأ القيسِ
إنْ شئتَ قرطاج، لا بُدَّ من شوكها
ولا بُدَّ أن تتعفَّر قبلَ الوصولْ
يشدُّ ذراعكَ رملٌ،
يناديكَ نيلْ
يا امرأ القيسِ إنَّ السَمَوْألَ تاجرُ أسلحةٍ،
واسمه صِمُوئيلْ
والبلاغةُ سيفٌ عتيقٌ كسولْ
دمها خَدَرٌ من كحولْ
ودمي من جراحِ الخليل.
البلاغة ذمّتها واسعة
حبرها طافحٌ في الجرائدِ مثلَ القُروحْ
يصبحُ القردُ في حبرها ظَبْيَةً والحصانُ
حـمـارْ
وذاكَ يضيءُ يساراً يًسارْ
فإذا أقبلتْ غيمةٌ في النهارْ
صاحَ: هذا خراجي أنا والمسيحْ
وفي آخرِ الليلِ

يمضي يميناً... ولا يسألُ
وآخرُ يُسعده اللهُ صامَ طويلاً وأفطرَ كأسَ مديحْ
كذا... أسْهَلُ
والبلاغة ذمّتها واسعة.
- طافحٌ بالأناشيدِ والهمّ والهَمْهَماتْ
وحيداً أناطحُ في عزلتي صخرةً فاسدة
أرشُّ العواصفَ في بركةٍ راكدة
فهل قلبُ غانيةٍ مثلَ قلبي الجريحْ
وهل خازنُ المالِ في بيتكمْ
مثل كفّي النظيفْ
آهِ قرطاجُ لم يبقَ منكِ سوى
حجرٍ في المياه
أشربُ السُمَّ مثلَ أميرَتِنا حين حاصَرَها
الآبقونْ
كشفتْ فَرْجها للثعالبِ قالتْ: أنا حامضةْ
وعاليةٌ كالقطوفْ
لستُ صَدْراً لبعلٍ،
ولو دوَّدَتْ جثَّتي في السجونْ
باعَ قرطاجَ بالتبنِ والمزبلة
فاشترى الذلَّ فوقَ الجبينْ
وهوى في النهايةِ في خشبِ المقصلةْ.
أنا مثلُ – هاني – الذي
ما حنا البعلُ يوماً عليهْ
وناطحَ روما وحيداً
وماتَ وحيداً على حجرِ الجُلْجُلَة
إنني فوقَ صدركِ قرطاجُ، وردتكِ المهملةْ
فانثري في عظامي نداكِ الحنونْ.
- لستُ أرغبُ في السُمِّ يا حجرَ الجُلجلةْ
لي رسائلُ من عنبٍ لم تصلْ
ولي حجرٌ مُهْملٌ في المتونْ
ولي كومُ لحمٍ على جبلٍ في الخليلْ
- ولي كرملٌ في المنافي بكى حينَ قالوا
له: يا ولدْ
أنت طفلٌ بلا دولةٍ أو نشيدْ
ولا عاصمة.
قال لي كرملي:
جائعٌ جائعٌ أبتاه
قلتُ: نبعٌ سيجري على قدميكْ
قال لي: شوكةٌ في يديكْ
قلتُ: يوماً يفيضُ الإلهْ.
بكأسٍ... وخَضْرا... ووجهٍ حَسَنْ
في خليجِ القرودْ.
- يا زمانَ الأسى والسُدودْ
ما أنا من (غُزَيَّةَ)، إن لهثتْ
كالجواري وراءَ اليهودْ.
في الزمانِ الرديءْ
كتبوا في الرقاعْ:
شمسُنا لا تضيءْ
دمنا في البقاعْ
لستَ منه بريءْ
ليسَ منه بريء.
- هل عرفتمْ لماذا، إذا ما اعتراهُ القنوطْ
ينسفُ القافلة
وجدار حبيبي غداً آيلاً للسقوطْ
إذا نامَ عشاقهُ في خلايا الوعودْ.
هل عرفتمْ لماذا أنا راحلٌ في مدائنِ لوطْ
هل مقامي على رملكمْ
هل مقامي على تربةٍ من صديدْ
آهِ – أفئدةٌ قاحلة
من محبتنا ماحلة
كمقامكَ كنعانُ بين اليهودْ.
كَذَبَ البائعُ الساحليُّ النَزِقْ
كرملي من دمِ الأنبياءِ،
وكرملُهُ من ورقْ.
شاعرٌ شال لينين – لانانَ)... بين يديهْ
وراحَ يعدُّ النقودْ
ويُحصي القيودَ على مِعْصَمَيْهْ.
- رقادٌ مريحٌ على شكلِ بلوى
وأسرى من الأسرِ للأسرِ
غربتُهُمْ لافحة
وفي بابِ قرطاجَ بحرٌ عميقْ
وتزهو الطواويسُ، يعلو ويَعلو النقيقْ
- الدجاجاتُ منثورةٌ فوقَ عوسجهمْ كالدقيقْ
في زنازينها سارحة
ولها الحقُ في الموتِ أو في الكلامْ
ولها الحقُّ في أن تكونَ فدائيةً في المنامْ.
وما أشبهَ اليومَ بالبارحة
نُباع ببازارِ روما العتيقْ
جملةً كالرقيقْ.
طفحتْ في المدى الرائحة
لهذا ولا بُدَّ من لطمةٍ جارحة
على بابِ قرطاجَ، حتى نفيقْ.
على بابِ قرطاجَ كان الضجرْ
وكان الرذاذُ الخفيفْ:
رذاذٌ من الشرقِ يأتي، ويملأُ نصفَ الحقولْ
رذاذٌ من الغربِ يأتي، ويملأُ نصفَ الحقولْ
عليك سيلتقيانْ
أإذا اجتمعَ المَلَكانْ
أإذا اتَّفقَ الملكانْ
ما الذي ستقولْ.
على بابِ قرطاجَ كانَ الضجرْ
وفي بابِ قرطاجَ شِفْتُ كلابَ الأثَرْ
رأيتُ خيولاً مضرّجةً بالذَهَبْ
خيولكِ بيروت، تلهو ببضعِ قروشْ
ويسألني الصحفيُّ سؤالاً رقيقاً:
أكانت ببيروتَ هذي الكروشْ!!!
أَجبتُ وبهَّرتُ صوتي مضيفاً إليهِ
دماً وحريقاً
وبعضَ الرتوشْ
بلى، إنهمْ يشربونَ الأسى في المسا
ينامونَ في مهجعٍ وارفٍ كالنعوشْ
وينتظرونَ اجتماعَ الشتاتْ.
- لُدغنا ثلاثينَ قبلَ الرحيلْ
لُدغنا ثلاثينَ في الفَجَواتْ
لُدغنا ثلاثينَ في المعركةْ
لماذا إذا هدأتْ نجمةُ الحربِ
تُعطى الجوائزُ للهاربين؟!!
يا امرأ القيسِ، احذرْ قميصكَ،
قد سَمَّموهُ،
وحاذِرْ خيوطَ مؤامرةِ العنكبوتْ
إنّها في قميصكَ، فانفِدْ بجلدكَ،
رُدَّ الهدايا لأصحابها، لا تكنْ خائفاً
لا تكن كوْمةً من سكوتْ
لئلاّ تموتَ، لئلاّ تموتَ، لئلاّ نموتْ.*


* تلقّى الشاعر دعوة رسمية خطيّة من الرئيس ياسر عرفات، لإنشاد هذه القصيدة أمام (المجلس الوطني الفلسطيني)، (شباط،1983) بالجزائر، وﻟﻢ تكن قد نُشرتْ، إلاّ أن بعض(الوشاة) نقلوا مضمونها لعرفات، قبل بداية المجلس. ﻟﻬﺬﺍ مُنع الشاعر من إنشادها، لكنَّه أنشدها ﻓﻲ (مهرجان قرطاج الدولي)، ﻓﻲ صيف 1983، بتونس. وأنشدها في (مهرجان الشعر العربي في الجزائر، 1984)، فانسحب (أحدُ الوفود العربية)، احتجاجاً على ورود رمز (امرئ القيس) في القصيدة.