كنوز نت نشر بـ 19/09/2018 05:39 pm  


رواية بلد المنحوس لسهيل كيوان


بقلم شيرين فاهوم



قرأنا رواية تحكي النكبة الفلسطينية بطريقة مختلفة وجديدة لم نعهدها من قبل، تجعل القارئ يعيش الأحداث بأدق تفاصيلها، معلنا عدم الإنسحاب والتمسك الشديد بدفتي الكتاب، يدفعك شعورُ اللهفة والشوق لمعرفة المزيد من الأحداث، وكأنك تتمنى أن لا تنتهي الرواية، رواية تبقى عالقة في القلب وحاضرة في الوجدان.

1.رواية النكبة الفلسطينية في بلد المنحوس الصادرة عن مكتبة كل شيء -حيفا- أتت مغايرة عمّا اعتدنا عليه بشكل عام، حيث أننا قرأنا النكبة الفلسطينية في أغلب الأعمال الأدبية من خلال التركيز على الجانب الفلسطيني أكثر ، فأتت فصول "وارسو "في رواية بلد المنحوس، لتنقل لنا حياة الجانب الآخر، وتغيّر من النمط الذي تعوّدنا عليه ،وتكشف لنا وجه اليهودي في وارسو كضحية للنازي ووحشيته واستعماله كافة الأساليب للصمود والبقاء، متمسّكا بمبدأ المصلحة الشخصية ، ثم خيانة المبدأ والعقيدة، رأينا ذلك من خلال شخصية راتشينسكي وقصته في انتحال شخصية إيزاك هيرش إبن خالته. لنرى مدى انحدار الإنسان الذي يعتبر مصلحته الشخصية فوق أي مصلحة أخرى، ليتحقق القول هنا بأن المصلحة الشخصية، هي الصّخرة الوحيدة التي تتحطم عليها كل المبادئ.

2.كشفت لنا الرواية عدّة أبعاد لمعاناة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، حيث عشنا من خلال الرواية، حياة الفلسطيني الذي لم يترك أرضه وبلده بعكس ما قرأنا في الروايات التي حكت النكبة وركّزت في أغلبها على قصة اللجوء وما عاناه اللاجئ الفلسطيني في الشتات.

3.حرفيّة الكاتب اللغويّة وبراعته المطلقة في سلب القارئ من خلال اللغة الجميلة والسلسة جدًا ،والدمج ما بين الفصحى والمحكية خلال الحوارات زاد السرد الروائي جمالا، وشدّ القارئ لمواصلة القراءة بشغف لمعرفة المزيد من الأحداث.

4.عنصر التشويق ميّز الرواية، ووضعها في قالب جميل جدًا، لم نتوقع أن هناك العديد من المفاجآت في انتظارنا، وهذا في حدّ ذاته دعّم الرواية وقوّاها، وجعل القارئ يعيش الأحداث ويقرأ بشغف ولهفة وشوق، أدقّ التفاصيل معلنا عدم الإنسحاب والتمسّك الشديد بدفتي الكتاب متعجّبا ومندهشا متمنيا أن لا تنتهي الرواية .

5.التجربة والخبرة في الحياة والمعرفة الثقافية الغنية التي يتمتع بها الكاتب، تنعكس بوضوح في أسلوب الكتابة الساحر والأخاذ، حيث وجدنا كاتبًا على مستوى رفيع من الثقافة والاطلاع في جميع مناحي الحياة. حيث أعطى المعلومات الدقيقة من خلال النصّ الروائي عن الفن والموسيقى وحتى الرومانسية ....واستطاع أن يدمج الخيال بالواقع ويسرد أحداثا تاريخية بصورة فنية وبأمانة.

6.الفن والموسيقى أخذا حيّزا قويا في الرواية، قرأنا شرحًا مفصّلا عن دارة الفن في عكا، ودور الفن القوي وتأثيره على الناس في تلك الفترة من الزمن واهتمامهم بالحفلات الموسيقية وأغاني أم كلثوم وعبد الوهاب وفريد الأطرش.

7.اتساع معرفة الكاتب بخفايا المكان، حيث عشنا عكا القديمة في تفاصيلها من خلال الحكايا التي خطها الكاتب،ليعود بنا إلى زمن لم نعشه، ولكننا عشنا مع التفاصيل مع من كانوا أهله.

8.نقل لنا معاناة أهل عكا القديمة وتضيق الخناق عليهم لجعل حياتهم مستحيلة بعدة طرق (إقلاق راحة سكان الحي بقرع الطبول والنحاسيات والأبواق في الليل والنهار )"بإمكاننا أن نجعل حياتهم مستحيلة، ولكن بهدوء ومن دون ضجيج محلي "ص 123حتى يشعروا بأن رحيلهم ولحاقهم بإخوانهم أفضل لهم"، لكن هذا الأمر لم يزعزع من صمود أهل عكا والإصرار على البقاء في بيوتهم وأرضهم، والحفاظ على هويتهم الفلسطينية الوطنية.

9. استبدال مصطلح "النكبة" بمصطلح "النّحسة " كان له وقع خاص على القارئ،حيث اعتدنا على مصطلح النكبة في كل الأعمال التي وثّقت وكتبت النكبة، مما خفف من وطأة الحديث علينا، ليعطينا أملا بأن هذه النكبة ما هي إلا نحسة وسوف تزول في يوم من الأيام .

10.تسليط الضوء على العمالة مع الصهاينة لتحقيق المصالح الشخصية(شخصية رسمي ) "المطلوب إقناع العرب في البلدة القديمة ،ببيع بيوتهم ،أو تأجيرها لمدة تسعة وتسعين عامًا " ص 136 ،الجميع ينشد ودّ رسمي فالجميع بحاجة لتوقيع إيزاك في أحد أمور الحياة، ورسمي هو حلقة الوصل في ترخيص عمل، سفر، تسجيل ميلاد، تجارة والكثير من الأمور، مما شجّع رسمي على فتح مكتب للاستشارة ، وتجنيد الضعفاء واستغلالهم للعمل لصالح المحتل (قصة شكري ) ، نظرة الناس للعملاء وكيفية نبذهم، ولكن في المقابل يستعينون بهم وقت الحاجة الماسّة جدًا مقابل دفع المال لتلقي الخدمات.

11.نقل لنا الكاتب بصور عدة هموم المواطن العادي الذي لا حول له ولا قوة واستغلال ضعفه.

12.انتقاء أنواع الشخصيات المختلفة لنرى الماضي من خلالها ونربطه بواقع ما زلنا نعيشه .

13.الجانب الترفيهي والتشويقي المسلّي في الرواية زاد من جمالها وأكسبها رونقا خاصا، حيث استطاع الكاتب أن يرسم البسمة على وجوهنا متحدّيا قساوة بعض المشاهد في الرواية، والتي تركت ألما عميقا في القلب .

14.جُرأة في كتابة الممنوع والمحظور من خلال بعض المشاهد الجنسية، ولكن بطريقة غير مبالغ فيها .


15.نقل همجية الإحتلال ووجه البشع ، استخدام كل وسائل الترهيب والقتل والإعدام والاغتصاب، الأذى الذي لحق بالنساء عند الإحتلال، رأينا ذلك واضحا في مشهد اغتصاب زهرة من قبل "أوريا "ص 139+138، وخوف أي امرأة من الإعتراف بالاعتداء عليها "لا يمكن تصّور امرأة تعترف، لأن هذه ستكون نهايتها"ص 137.

16.نقل العادات والتقاليد والأعراف، وإدخال القصة الشعبية والمثل الشعبي والأغاني أثرى وأغنى النصّ السردي .

17.النهاية جاءت مختلفة وغير متوقعة،فيها انتقام لشخص الضابط إيزاك الذي ينهي حياته في بيت المسن، وتفضحه ابنة خالته ريبيكا، والمفارقة الجميلة بأن ريبيكا تبوح للممرضة العربية بسر إيزاك وماضيه في التعاون مع النازيين. الأمر الذي يمنح القارئ نوعًا من الشعور بالراحة والانتقام من الجلاد والمجرم.
وتبقى فلسطين أصل الحكاية والرواية ...
وتبقى فلسطين هي الدافع الاول للكتابة ...
وتبقى الحكاية الفلسطينية شعلة أمل مضيئة لكثير من الكتّاب لنقل تفاصيل الحكاية ...

رواية ساحرة مليئة بالمعرفة والمتعة والتشويق ،عشنا معها الزمان والمكان،وقرأنا عكا التي نبضت بين السطور في الماضي والآمه ممزوجة بالحاضر واوجاعه ...

أهنئك الاديب المبدع سهيل كيوان على هذا العمل الأدبي الرائع
متمنية لك مزيد من النجاح والتألق والعطاء ...الكاتبة مديرة مكتبة   


 

شيرين فاهوم
                           
 

سهيل كيوان