كنوز نت نشر بـ 13/09/2018 12:03 pm  


حرب ألـ  70 سنة



بقلم : يوسي كلاين - هآرتس، 12.9.2018 ترجمة: أمين خير الدين 



حرب يوم الغفران هي فصل من فصول حرب أل – 70 سنة (عنوان مؤقت). وهي مواجهة من سلسلة مواجهات هي بالأحرى حرب واحدة طويلة. كل مواجهة منها أدّت لمواجهة أُخْرى. حرب الأيام الستّة أدّت لحرب الاستنزاف، حرب الاستنزاف أدّت ليوم الغفران ويوم الغفران أدّى لحرب يوم الغفران، ولكي لا نثقل علينا أكثر مما ينبغي سُمِّيَت بشكل عام "عمليات عسكريّة".
      
كل الانتصارات متشابهة، وكل هزيمة تمتص بطريقتها، الهزيمة الممتصة في حرب يوم الغفران، مع أكثر من -2600 قتيل، أدّت ألى اتفاق مع مصر. عندما نُغْلَب نزحف على بطوننا، وعندمن نَغْلِب نبوّل على الجميع من عَلٍ. الغالب هو الجيش، ومَنْ لا يعرف ماذا يعمل بانتصاراته هم السياسيّون الذين أرسلوه. لماذا؟ بسبب غباء، وعجرفة وقصر نظر.
    
 إننا ندفع في الحرب القادمة ثمن غباء وعجرفة الحرب السابقة. الشيء الأكثر توقّعا في العالم هو الحرب القادمة. هي آتية دائما، كالحرّ الشديد في الصيف وكالمطر في فصل الشتاء. نحن مقتنعون أنه لا يُمْكِن إيقافها، ونحن نستعد لاستقبالها. الجيش عادة على أُهبة الاستعداد، الساسيون لم يكونوا على أهبة الاستعداد أبدا. لماذا يستعدّون؟ إنهم يدّعون، حقّا "ليس ثمة حلّ للنزاع".
      
عندما "لا يوجد حلّ للنزاع" يبعثون بالجنود إلى الجدارات الحدودية وإلى الحواجز. هذا أسهل من مواجهة بينيت وشكيد. إرسال جنود إلى الخليل أكثر سهولة من مواجهة المستوطنين. أكتساب الوقت أربح من الدخول في المفاوضات. انجازنا الوحيد هو الوقت. عندما "لا يوجد حلّ للنزاع" يضيع الوقت. وعندما يضيع الوقت، يقضي النزاع علينا. السؤال ليس إذا، إنما متى . في زمننا؟ في زمن أولادنا؟ أحفادنا؟.

      
إن مَنْ يبعث بالجنود إلى الحرب لا يُدْرِك لماذا يضغطون عليه ب"الحل". مَن ينبغي أن يسعى إلى السلام؟ هو يسأل، في الحقيقة السلام موجود هنا. هل يبدو السلام هكذا؟ نعم. يقول، هكذا يبدو، مع المصادرات والمستوطنات والقتلى على الجدار الحدودي. ونحن نصدق هذا. جميعُنا. يمينيون ويساريّون. مستوطنون ومتظاهرون نعتقد أن السلام يبدو هكذا.
     
نحن نعطيهم القوّة ليقرروا بأن السلام يبدو هكذا، بدافع إيمان أرعن بقوّة الديمقراطيّة. لذلك كلّنا مسؤولون، بما في ذلك المتظاهرون احتجاجا وكتّاب المقالات أيضا. كلّنا مسؤولون عن التعدي على العرب على شاطئ كريات حاييم، عن مقتل الفتيان في غزّة وعن الشواء على سجادة الفندق. كلّ مَن يحمل جنسيّة إسرائيليّة يتحمّل مسؤوليّة عن ذلك، يمكنني أن أصرخ حتى غَدٍ بأنني "أحِسّ بالغُرْبة" وأن هذا "لا يمثّلني"، لكن في الحقيقة هذا يمثّلني جدّا. أنا شريك بذلك "لأنني" واحد من "نحن"، ونحن نحتلّ وندوس. اليوم نحن في الجانب الصحيح من السوط، وأنتم تعرفون لماذا؟ وهذا مُريح لنا. توقفنا عن الإحساس بالتعاسة ونشعر بالراحة. لا تفقد الوجبة من طَعْمِها إذا انقطعت الكهرباء عن غزّة. ليقولوا عنّا إننا فاشيّون. كنا مرّة مُحْتَقَرين، الآن لا، الآن نحن سُعداء، نحن في المرتبة أل – 11 في العالم من حيث السعادة! الاستطلاع لا يفحص إذا كان السعداء يؤيّدون الاحتلال أو يعارضونه. كلّهم سُعداء. وأنهم على الرغم من الأبرتهايد والعنصريّة يسافر جميعهم إلى خارج البلاد ويأمّون المطاعم ويبدِّلون السيارات.
     
جميعهم بخير. حتى مّنْ هو بحالة سيّئة. مّن لا يستطيع الشراء والتنزّه يحصل، كبديل، عِزّة وطنيّة، تقاليد يهوديّة، إيروفيزيون دولي وإحساس ذاتي بأنه لا يستحقّ أكثر من ذلك. هو سعيدٌ، يلوّح بذنبه. هو ال"أكثريّة"، أو أل"جمهور" أو أل"شعب". الفساد لا يقلل عاملا واحدا من سعادته. فاسدون؟ جميعهم كانوا فاسدين. الفساد هو الهِبَة التي تُمْنَح للسياسيين مقابل الاقتصاد المزدهر والأمن النسبي الذي يمنحوننا إيّاه.
    
 نحن نفصل بين ألأمر الشخصي والوطني. سُعداء في البيت وتعساء في الدولة. هذا موقف صبياني. لكننا تعوّدنا ذلك. تعودنا على أن يخاطبوننا كأننا أطفال. "يبسِّطون كل فِكْرة هامّة لمستوى استيعاب الطفل" هذا ما كتبه سبستيان هفنر عن المانيا في سنوات أل- 30.
     
لأن الشعب هو طفل، سهل شِراؤه، يستوعب عبارات بسيطة مثل العبارة القديمة "لايوجد مَن نتحدّث معه"، والأسلوب الأخير "لا يوجد شيء لأنه لم يكن شيئا" وحتى عبارة "الشعب عاقل" الأبديّة. هذا هو الجمهور الذي يصفه السياسيّون ب"الشعب العاقل" والذي يختار بالطريقة الأكثر ديمقراطيّة فاسدين غير مؤهلين، ورغم يوم الغفران 73’ لا زال يحْتفظ بين يديه بأطفاله.