كنوز نت نشر بـ 12/09/2018 04:55 pm  



ملعقة من زيت السمك وكوب من الحليب: الإطار الذي وحّد ملايين الفلسطينيين


حتى لو استطاعت الولايات المتحدة وإسرائيل من تحطيم الأونروا،إلاّ أن الهجوم السياسي والمادي على الفلسطينيين سيقوي العلاقات بينهم، رغم تفتّت القيادة التقليديّة


بقلم : عميره هس - هآرتس، 7.9.2018 ترجمة: مين خير الدين 
 
لا زال أبناء سنوات أل - 50 من غزّة يذكرون بابتسامة وبقليل من الاشمئزاز كوب الحليب الذي كانوا يُجْبّرون على تناوله كل صباح عند حضورهم إلى المدرسة التابعة للأونروا، مع ملعقة من زيت السمك. كبالغين يُقدّرون الإطار الداعم الذي منحتهم إيّاه وكالة ألأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين ألفلسطينيين، الدعم المتمثّل في الكأس والملعقة اليوميّة. قال ابن مخيم الشاطئ للاجئين، وقد كان يتعلّم في سنوات أل – 80 موضوع الرياضييّات في جامعة بير زيت في الضفّة الغربيّة، أن نصف الطلاب في الحصة كانوا من غزّة، مُعْظمهم لاجئين. "كان هذا بفضل أوميجا 3 الموجود في الزيت الذي تلقيناه من أونروا"، قالها بسخرية. 
    
 أبناء المواطنين القدامى في غزّة، من غير اللاجئين، حسدوا أبناء اللاجئين، لأن مدارس الأنروا اعْتُبِرت أفضل من المدارس الحكوميّة وقد زوّدت مدارس الأونروا طلابها بالدفاتر وبالقرطاسيّة مجّانا، بما في ذلك أقلام التلوين. لكن على ما يبدو كان الأمر يتعلّق بهدف وبطموح اللاجئين. بعد أن فقدوا وطنهم وأملاكهم، وبعدما استيقظوا من الصدمة الأولى، علّموا أبناءهم بدافع نفس الهدف: تعلّموا، ألعلم هو الآن وطنكم.
 
كانت الثقافة الأوليّة جيّدة (بالنسبة للبيئة، كما أكّد لي أحد خريجي نفس المجموعة) كانت الثقافة الخدمة الأولى التي زوّدتها وتزوِّدها وكالة الغوث ألونروا، مع الخدمات الصحيّة. كان مُعْظَم العاملين في الأونروا وفي كل مناطق عملها، ويقدرون اليوم بحوالي - 30 ألفا يعملون في هذين المجالّين. وعندما كانت تتوفر فرص العمل والمعيشة لأبناء المُخيّمات، كانت تقل الحاجة للخدمات كتوزيع الأطعمة. وكلّما اضطرّت الأونروا على التوظيف في خدمات الطوارئ – كان ذلك يؤثّر سلبيّا على نوعيّة الخدمات الحيويّة كالتعليم والصحة.
     
على الرغم من توقّف دعم الولايات المتحدة للأونروا، افْتُتِحت السنة الدراسيّة الجديدة الأسبوع الماضي في - 711 مدرسة ابتدائيّة تابعة لهذه الوكالة التابعة للأمم المتّحدة، والمنتشرة في أربع دول: لبنان، سوريا، الأردن والضفة الغربيّة وغزّة. أنتهت العطلة الصيفيّة و سيخرج 526 ألف تلميذ وتلميذة فلسطينيين كل صباح من بيوتهم في حوالي 60 مخيّما للاجئين إلى مدارسهم، مدارس تحافظ على سِمات مُوَحّدة: أبواب وشبابيك مدهونة باللون الأزرق المائل للأخضر، عَلَم الأمم المتحدة (تعانُق دول العالم المحاطة بالسنابل)، وبعض الشجرات في الساحات سيقانها مدهونة بالكلس ألأبيض وصور لمعسكرات الخيام من سنة – 1949 معلّقة على الحيطان.
     
دامت هذه السمات المُوَحَّدة حوالي سبعة عقود. تعرّف ملايين الأطفال الفلسطينيين على عَلَم الأمم المُتّحدة قبل أن يتعرفوا على أعلام الدول الحاضنة لهم، وحتى قبل أن يتعرفوا على عَلَم فلسطين، وقبل أن يتعرفوا على نجمة داود التي تعلموا كُرهها، كممثلة للعنف العسكري اليومي. لقد التَقَوا باللون الأزرق المائل للخضرة حينما كانوا يذهبون إلى المستوصف لأي سبب كان أو عندما كانوا يتناولون وجبة الغداء في قاعة الطعام المُعدّة للأطفال الذين لا يعمل آباؤهم.
    
 وكذلك عمليّة الإعمار العفويّة التي مرّت بها المخيّمات: صفوف من الخيام، وحنفيّات ومراحيض في آخر كل مجموعة الخيام، إلى صفوف غير مرتّبة من الغُرَف الداخليّة، وقد زحفت بعضَ سنتيمترات على الأزقّة، وبهذا زادوا من التضييق عليها – وحتى بدأت العمارات تعلو في سنوات أل – 90 لتتسع للعائلات التي تكاثرت. مكّنت من ذلك توفيرات أبناء العرئلات التي وجدت عملا (في غزّة وفي الضفّة الغربيّة وفي سوريا، قبل الحرب، أكثر مما مكّنت في لبنان).
    

 لقد حافظوا على توزيع حسب جغرافيّة القرى بين أولئك الذين طُرِدوا وما يشبه التوزيع بين العائلات المتّسعة. وبمرور السنين وبسبب التزاوج بين أبناء القرى المختلفة جغرافيّا، تلاشى هذا التوزيع الجغرافي. بين العائلات المحافظة على الروابط الولائيّة والماديّة بالنسبة للعائلات المتوسّعة، لقد نتجت تجمعات أكثر عصريّة في المخيّمات، بسبب التوسّع في حدود الروابط الوثيقة خارج نطاق روابط الدم، بما يعني كان التوسّع من روابط عائلية وحموليّة – لروابط بين تجمّعات أكثر اتساعا بين مجمّعات تعيش نفس الظروف القاسية، كان عليهم التكيّف للمساحة الأضيق من المساحة التي عاشوا فيها مع آبائهم سابقا. إن إدراك حقيقة وِحْدّة المصير الاجتماعي والقومي، تجاوزت وحدة المصير لأبناء العائلة الواحدة، وُجدت هذه الحقيقة هناك في المخيّمات. وقد حدث هذا قبل ظهور التنظيمات السياسيّة الفلسطينيّة، لم تكن هذه التنظيمات حتى ظهور السلطة الفلسطينيّة أداة نضال ضد إسرائيل وضد الاحتلال إنما كانت نوعا من الحمائل تحكمها انتماءات داخلية، واسعة، وتطوير شبكات للمساعدات المتبادلة خاصّة بها،
    
 وقد حافظوا جيّدا على اللغة الفلسطينيّة الدارجة، وظل أبناء نفس القرية أو المنطقة يحافظون على اللهجة الخاصّة بهم، ضمن لغتهم الفلسطينيّة الدارجة. ومع الزمن استوعبت اللهجة الفلسطينيّة اللهجةَ العربية الخاصّة بالدولة الحاضنة ، ولكن لا زال من السهولة تمييز اللفلسطيني في هذه الدول الحاضنة، حسب اللهجة.
     
ثمّة مخيّمات خضعت لتطوّر اجتماعيّ مشابه، مثل استيعاب فقراء ليسوا لاجئين. كما في مخيّم اليرموك في دمشق، قبل أن تدمّره الحرب الأهليّة؛ كما في بعض المخيّات في لبنان وكما في مخيّم شُعفاط في القدس. وبالمقابل، كان هناك مَن استطاع تركَ المخيّمات. لقد بنى أبناء مخيم الدهيشه في بيت لحم في الجانب الآخر من الشارع فرعا لمخيّمهم، ويُعتبر اليوم هذا الفرع بلدة منفصلة وكبيرة اسمها الدوحة (على اسم قطر،الدولة التي تبرعت بشراء الأرض من سكان من بيت جالا). وكذلك فعل أبناء مخيمي الشابورة وجباليا في قطاع غزّة حيث بنَوا أحياء أكثر تطوّرا. لكن الرابط والانتماء للمخيم – لا يقل عن الروابط بالقرية الأصل – والمحفوظة.
    
 لا شك أن الإطار الذي وفّرته الأونروا لملايين الفلسطينيين الذين عاشوا ويعيشون في المخيمات في أل – 70 سنة الأخيرة، ساعدهم في الحفاظ على ملامح التشابه بينهم. لكن لولا الأونروا، هل كانوا سيُدْمَجون تماما في البيئات المُخْتَلفة ( خاصّة خارج فلسطين) وهل كانوا سيَنْسَون أنهم فلسطينيون، كما تمنّى العاملون ضدّ الأونروا أو كما يدّعون؟ يعيش في جنوب أمريكا مئات الآلاف من الفلسطينيين وليسوا لاجئين (لأنهم هاجروا إلى هناك برغباتهم، بدون علاقة بالحروب) ولم يعيشوا أبدا في مخيّمات اللاجئين.
    
 لم ينْسَوْا فلسطينيّتهم، ولا زال أبناء الجيل الثاني والثالث يؤكدون فلسطينيّتهم وإدراكهم السياسي الخاص بهم، وإن كانوا لا يتكلمون العربيّة، يحولون الآن تعلّمَها. لولا الأونروا،،هل كانوا سينسَون العلاقة العاطفيّة بقراهم ومدنهم التي خرجوا منها. وهل كانوا لا يركّزون على طلبهم السياسيّ بحقّ العَوْدة؟ مَنْ يعتقد ذلك يستبدل المضمون بالإطار. وحتّى لو استطاعت الولايات المتّحدة وإسرائيل تحطيم الإطار، الأونروا، سيكون ردّ الفعل على هذا الهجوم السياسي والماديّ تقوية الروابط لدى الفلسطينيين. هذا مع انهيار التنظيم السياسي والأخلاقي، المستمر على مدىِ أل – 60 السنة الأخيرة التنظيم الذي وحّد الفلسطينيين في كل أماكن تواجدهم، في المخيّمات وخارجها. التنظيمات التي شكّلت منظمة التحرير الفلسطينية لا وجود لها أو أنها ضعيفة أو على اختلاف فيما بينها. منظمة التحرير الفلسطينيّة فقدت من مزيّتها كمنظمة نمّت الهويّة والثقافة الفلسطينيّة وحاولت في الماضي خلْق هيئة من التضامن الاجتماعي، والاقتصاديّ. تحوّلت لغشاء رقيق من الوظائف الباهتة وغير المعروفة، وهي متعلّقة جدّا بالسلطة الفلسطينية.
    
السلطة الفلسطينيّة كما اعترف محمود عبّاس، تحافظ على هدفها كمنسقة مع إسرائيل فيما يتعلّق بالأمن، وهي مصدر لتزويد أماكن العمل بثياب قيادة سياسيّة، تختلف مع منافسها، حماس وسلطته في غزّة، الفقير اقتصاديا أكثر منها. المنظمة تحافظ على مظهرها كحركة مقاومة خاصة بنظر مَنْ لم يذُق طعم مغامراته وهذيانه العسكري: أي بما معناه مَنْ لم يعش في غزة إنما يعيش في الضفّة الغربية وفي الشتات.
  
في هذه الاحالة، ستبقى الوكالة التي يطمح دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو لتدميرها كما كانت خلال أل – 70 سنة . ستبقى عاملا يبعث على الاستقرار أقتصاديّا ـ ولحدٍ ما اجتماعيّا. ميزانيّة الأونروا العامة حوالي 1.2 مليار دولار، الميزانيّة العاديّة 567 مليون دولار، منها 450 مليون للتعليم، 400 مليون مُخصّصة لحالات الطوارئ و– 90% منها لقطاع غزّة. فقط هذا المبلغ الكبير يدل على الوضع في الجيب الساحلي الصغير: وعلى الانعكاسات الصعبة التي كانت على شكل حملات، خاصّة قيود تفرضها إسرائيل على الحركة وعلى التجارة، وقد حوّلت هذه القيود نصف القوى العاملة إلى عاطلة عن العمل.
     
باقي الميزانيّة نخصّص لمشاريع إصلاح مختلفة (لمخيم نهر البارد في لبنان، مثلا، أو ما تبقّى من الترميم في غزة). قبل حوالي ثمانية أشهر، عندما أُعْلِن لأول مرة عن تخفيض التبرعات الأمريكيّة بحوالي 300 مليون دولار، بلغ العجز في الميزانيّة حوالي 500 مليون دولار. وبمجهود كبير، ولأول مرّة تبرعت كلّ من السعودية وقطر والإمارات في الخليج ب – 50 مليون دولار، فانخفض العجو لِ-270 مليون دولار.
   
اضطرت الوكالة لتقليص مصروفات الطوارئ، ومن أهمها - دفع أجرة أعمال تخفيف البطالة للعاطلين عن العمل في غزّة (Cash for Work ). كما أنه أُلْغِيَت مشاريع طوارئ أخرى: مثل خدمات علاج نفساني لمَن يعانون من صدمات نتيجة الحملات الإسرائيليّة، مساعدات للبدو في المنطقة ، C مساعدات للفلاحين الذين حُجِزت أراضيهم ومصادر رزقهم خلف جدار الفصل ومستوصفات متنقّلة. أما ما بقي من الميزانيّة فهو مقطوع لتوزيع الأغذية ولمنتجات وقائيّة ( لفات وضمادات ..) مرّة كل ثلاثة اشهر لحوالي مليون مواطن في قطاع غزّة. واضظرّت الوكالة في إطار التقليصات لتجديد اتفاقات مع حوالي – 160 عاملا مؤقتا في غزّة، وإلى تخفيض الرواتب لمئات من عمّال المشاريع الطارئة. والسؤال الأهم هو ماذا مع ميزانيّة 2019، هل ستضظر الأونروا إلى قطع أو إغلاق خدمات التعليم والصحة التي تؤدّيها؟