كنوز نت نشر بـ 07/09/2018 04:00 pm  


إقرأوا واحكموا أيّها الاوربيون!


النائب د. جمال زحالقة


عاد وفد القائمة المشتركة إلى البلاد بعد سلسلة لقاءات مكثّفة في الاتحاد الاوروبي. شارك في الوفد ستة من نواب المشتركة، أيمن عودة وجمال زحالقة ومسعود غنايم وأحمد طيبي وعايدة توما ويوسف جبارين وطلب أبو عرار، ومدير عام مركز مساواة السيد جعفر فرح. وشملت اللقاءات اجتماعًا بوزيرة خارجية الاتحاد السيدة فيديريكا موغوريني وبوزير خارجية لوكسمبورغ، جان اسيلبورن، ولقاء كتل برلمانية وعشرات اعضاء البرلمان الأوروبي ولجان تخصصية ومسؤولين كبار في الاتحاد. كان هدف الزيارة اطلاع الاتحاد الاوروبي على مخاطر "قانون القومية" وحثه على الضغط على اسرائيل وفرض عقوبات عليها استنادًا إلى أنّ هذا القانون ينتهك القوانين والقرارات الدولية ويتناقض ومبادئ ومواثيق الاتحاد ويشكل خرقًا موثقًا للاتفاقيات التي عقدها مع اسرائيل.

لم نتوهم بأننا سنغيّر موقف الاتحاد الاوروبي في زيارة واحدة. هذا الامر صعب في دولة منفردة، فما بالك في مؤسسة بيروقراطية مركّبة مثل هذا الاتحاد فيها 28 دولة، لها سياسات ومصالح غير منسجمة في كثير من القضايا بما فيها القضية الفلسطينية. لقد واجهنا خلال الزيارة جهاز دولة لديها 30 موظّفًا وجيش من المهنيين يعملون، من سنين طويلة وعلى مدار السنة، على الترويج للموقف الاسرائيلي في مؤسسات الاتحاد الكبرى: البرلمان الاوربي ومجلس الاتحاد والمفوضية الاوروبية. مقابل ذلك هناك ضعف عربي غير مسبوق ادّى الى انتقال عدد من دول اوروبا الى انحياز تام لصالح اسرائيل وبالأخص دول شرق اوروبا ومنها بولندا وهنغاريا وتشيكيا ورومانيا ولاتفيا ولتوانيا وغيرها. واهمية الموضوع ان القرارات في الكثير من مؤسسات الاتحاد الاوروبي تتخذ بالإجماع، وهذه الدول كثيرًا ما تعطّل. لقد استمعنا من مسؤول اوربي رفيع المستوى وصديق لفلسطين شكوى من ان علاقة نتنياهو بالدول العربية تستثمر اوروبيًا للادعاء بأنه من غير المعقول أن تكون اوروبا "عربية اكثر من العرب". ومع ذلك موقفنا هذه المرة كان قويًا جدًّا إذ لدينا الدليل القاطع على ما نقول وهو وثيقة إدانة لإسرائيل تسمّى "قانون القومية اليهودية"، سنّها الكنيست، وهي عبارة عن قانون كولونيالي عنصري يحمل كل مميزات الابرتهايد، وقلنا للأوروبيين: إقرأوا واحكموا بأنفسكم.

استطيع القول بأن أداء وفد المشتركة كان جيّدًا واستطعنا ايصال رسالتنا بشكل رصين وجدّي ومؤثّر، ولمسنا تفهمًا وتعاطفًا مع موقفنا، ولم يكن هناك شك عند احد ممن قابلناهم بأن قانون القومية هو قانون عنصري ومرفوض. النقاش كان حول ما العمل في مواجهته، وهنا اتخذ وفد المشتركة استراتيجية الاستناد إلى المبادئ المعلنة للاتحاد الاوروبي ومطالبته بالعمل وفقها، حيث ينص البند الثاني لاتفاقية الشراكة الاقتصادية مع اسرائيل على ضرورة احترام حقوق الانسان. لقد قدمنا نسخة مترجمة من قانون القومية كدليل ملموس على خرق هذا البند مطالبين اوروبا بتجميد الاتفاقية، ووقف المفاوضات الجارية لرفع مستواها، حتى الغاء القانون على الأقل. وحمل الوفد معه المواثيق والبيانات الاوروبية بشأن حقوق الاقليات القومية والأصلانية وطالبنا بأن تعترف بنا اوروبا كأقلية قومية أصلانية على اساسها، بما يشمل اقامة علاقات فعلية مباشرة معنا وعقد اجتماعات دورية مع القيادة السياسية للمجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر. كما كان من الواضح للجميع بأن قانون القومية يتناقض والموقف الاوربي من الاحتلال والقدس والاستيطان وحق تقرير المصير، ويغلق الباب امام أي حل سياسي، وعلى أوروبا أن تتحرك لحماية موقفها هي.


تجربتنا، حتى الآن، في العمل على الساحة الدولية محدودة، ونحن مصممون على تحويلها الى اداة مركزية في نضالنا وسيكون لها قوّة اكبر وتأثير أكير تبعًا لتصعيد النضال الشعبي، فالعالم لن يقف معك اذا لم تقف انت مع نفسك. طبعًا سوف نستخلص العبر من هذه الزيارة، لتشخيص نقاط القوّة ونقاط الضعف، أين وفّقنا وأين أخطأنا. كنّا نعرف سلفًا أن الموقف الرسمي للاتحاد الاوروبي هو "احترام الشأن الداخلي للدول"، ولكننا ذكّرنا الأوروبيين بالمبدأ الذي انفسهم دعموه وهو أن "العنصرية ليست شأنًا داخليًا". وجاء التخبّط في الموقف الاوروبي بأنهم يقولون لنا شيئًا في الاجتماعات المغلقة ويخرجون للإعلام بموقف مخالف. أمّا تصريح وزيرة خارجية الاتحاد السيدة موغوريني، بعد الاجتماع بها، فقد جاء نتيجة ضغوط هائلة لإسرائيل ولحلفائها في الاتحاد الأوروبي استغلّت فيها بعض الهفوات الإعلامية، الفائضة عن الحاجة. لقد حمّل هذا البيان وزنًا اكبر مما هو عليه. فهو بمضمونه ليس جديدًا وهو الموقف الأوروبي الرسمي وجرى تكراره في بيان لا يعكس حقيقة ما كان في اللقاء. هنا بالضبط يقع ما نريد وما نطلب من الاوروبيين، وهو ان يهجروا موقف الصمت على ممارسات اسرائيل العنصرية بادعاء "الشأن الداخلي"، لقد لقيت لقاءاتنا في البرلمان الاوروبي نجاحًا ملحوظًا حيث كانت المشاركة واسعة وحيث لمسنا تجاوبًا ودعمًا لمطالبنا، ومن الواضح أنّ هناك قوى جدية في الاتحاد الاوروبي توافقنا الرأي وسيكون لها تحرّك في مؤسسات الاتحاد الأوروبي بهذا الاتجاه.

لقد طرحنا امام الأوروبيين ضرورة اصدار ادانة بخصوص قانون القومية، وكذلك طالبنا بدعم قرارات في الامم المتحدة مثل ادانة اسرائيل وتجميد عضويتها، بعد أن توفر الدليل بخرق اسرائيل لميثاق الامم المتحدة ولوثيقة قبول عضويتها فيها. هناك من قال انه يؤيّد وهناك من قال أنه سيدرس وهناك من رفض التعبير عن موقفه. لكن من المهم الاشارة إلى ان دول الاتحاد الاوروبي تصوّت كل على حدة في الامم المتحدة، ولذا فإنّ ما قمنا به يساهم في دفعها لدعم مبادرة اتخاذ قرار دولي في الأمم المتحدة ضد اسرائيل بسبب قانون القومية.

سنقوم قريبًا بالتوجه الى جامعة الدول العربية ولقاء مسؤولين فيها بهدف اطلاعهم على خطورة القانون وعلى ضرورة ان يقوموا بدورهم في هذا الشأن. كما ستقوم وفود للمشتركة بالتوجه الى الديمقراطيين في الكونغرس الامريكي، وكذلك الى المفوضية الاممية لحقوق الانسان في جنيف، وستجري لقاءات كثيرة مع مسؤولين وأحزاب ومؤسسات في دول عديدة منها بريطانيا وفرنسا وروسيا وغيرها.

العمل على المستوى الدولي له قواعده وإيقاعه وله حيثياته وسياقاته وبحاجة إلى طاقات هائلة خاصة واننا نواجه جهاز دولة منظم، لديه طاقات وموارد هائلة. لكن لدينا امر مهم جدًّا تفتقده اسرائيل وهو اننا على حقّ.