كنوز نت نشر بـ 15/08/2018 10:11 am  



قراءة في رواية "في المدينة ما يكفي لتموت سعيدًا" للروائيّة الجزائريّة ياسمينة صالح.


                                                 

بلاد المحسوبيّة أوطاني



قراءة المحامي حسن عبادي


في خطابه أعلن الرئيس الجديد لجمهوريّة جنوب افريقيا سيريل رامافوزا حربًا على الفساد! كيف سيكافح الفساد وقد جمع 500 مليون دولار في سنوات عابرة: أسّس شركة شاندوكا لتنتزع حصّة في المناجم، قبض على ستاندارد بنك، ومجموعة مُشغّلة للهواتف، ومطاعم ماكدونالدز! ثم سَردَ سيرته "الكفاحيّة" في كتاب "الطامح لأن يكون ملكاً" تناول حياته في حيّ سويتو المهمّش بملاصقة مدينة جوهانسبرغ، ونضاله بمواجهة الأبرتهايد، واعتقاله انفرادياً لمدة عام، وتأسيسه لنقابة عمّال المناجم، ودوره في الاضراب الكبير سنة 1987، لكنه أخفى مشاركته بقتل عمّال المناجم في مذبحة ماريكانا أواسط آب 2012 عندما أصبح نائباً للرئيس المستقيل جاكوب زوما! هل قدر السود استبدال لون القاتل والجلاد والمستَغِل؟ هل رفع حزب مانديلا راية بيضاء وتخلّى عن تحقيق الحريّة والعدالة للغالبيّة السوداء؟ هذا ما كتبه الصحافيّ الكاتب بسام الكعبي على صفحته يوم 17.02.18.
ضمن نشاطات نادي حيفا الثقافي اقترح زميلي المحامي فؤاد نقارة مناقشة رواية "في المدينة ما يكفي لتموت سعيدا" الكتاب الشهريّ، وفعلًا ناقشنا الرواية يوم 27.02.18 ، تزامنًا مع ما كتبه صديقي بسام!

رواية "في المدينة ما يكفي لتموت سعيدًا – تغريبة لخضر زرياب" للمبدعة ياسمينة صالح، (الصّادرة عن منشورات فضاءات للنشر والتوزيع بالأردن عام 2017 ،وتقع في 240 صفحة، لوحة الغلاف بريشة الرسّام التشكيليّ السعوديّ أحمد البار؛ لها مجموعات قصصيّة: حين نلتقي غرباء، قليل من الشمس 
يكفي، وروايات: بحر الصمت، أحزان إمرأة، وطن من زجاج وغيرها.

جاء الإهداء صارخًا: "إلى الوطن المغلوب على أمره! وإلى الأمل: نصدّق وجودك مهما يكن!" كلّه حِرقة على الوطن المفقود ويبقى الحلم به والتفاؤل والأمل.

تناولت الكاتبة قضيّة شائكة تعاني منها شعوبنا، وكلّ شعوب العالم في مشوارها للتحرّر، فتصيبها خيبة أمل ليتساءل الفرد، أمِن أجل هذا ناضلنا وضحيّنا؟ إنّها ظاهرة البلطجيّة/الشبّيحة/العفّيشة من قِبل الدولة ورموزها، بل هي عصابات ومافيا الدولة! تلك الظاهرة التي يعاني منها الجزائريّ وكلّ عربيّ في أيّ بلد كان، فهي تليق بكلّ بلدان الوطن العربيّ، وهي من القضايا المسكوت عنها ومن المحرّمات بثالوثها الدنس: الدين والجنس والسلطة، ولم يُطرق بابها من قبل الكاتب العربيّ إلّا في السنوات الأخيرة.

حملت الكاتبة كاميرِتها الأنثروبولوجية لتصوّر لنا ذلك الوباء وتلك العصابة ومراحل نموّها حسبَ رُؤيتها للأمورِ بمنظارِها هيَ، دون مُواربةٍ ورياءٍ، وبنظرةٍ ثاقبةٍ تعبّرُ عن مَوْقفها وتصوّرُ بقلمها مشاهداتٍ بعيدة عن الشعارات، دون أن تكون بوقًا للسلطة، وأصابت الهدف.

صوّرت لنا ياسمينة صالح تلك المافيا السلطويّة التي تغلغلت في كلّ الطبقات والمؤسّسات لتصبح نهج حياة مقبولًا ومتعارف عليه، ومسكوتًا عنه، يشارك فيه الجميع، من الصغير إلى الكبير، والكل يطمح بالوصول إلى رأس الهرم، مهما كان الثمن، ممّا يؤدي إلى ولادة تنظيمات الإجرام المنظّمة التي تبزغ كالفطريّات مع الشتوة الأولى لتكون الذراع المنفّذ لرجالات السلطة ويصبح، بين ليلة وضحاها، "حاميها حراميها".

صوّرت الكاتبة نموّ وترعرع بطلها "لخضر"، يتيم الأمّ تزوّج والده من امرأة ثانية قست عليه، فمن عامل بسيط في الميناء، حمّال ابن حمّال، يشهد بأمّ عينه التجارة المشبوهة لرجالات السلطة الذين يهرّبون السلع وينهبونها بحماية العسكر، مهمِّشين القانون وأنظمته فيكون شاهدًا "كان لخضر مقتنعًا ألّا وجود لحريّة فوق السلطة وألّا وجود لكرامة فوق المال، حتى القانون يتنازل عن حقوقه أمام السلطة وأمام المال. هل يمكن أن يرفع حمّال بائس عينيه في وجه وزير أو ابن وزير بحجّة أنّه كائن حر؟"(ص80)، ومن ثمّ يكون شاهدًا على تصرّفات رجال العصابات والقتلة والأمن على أشكاله حتّى يصير واحدًا منهم. يحترف القتل كجنديّ في عصابة قتل محترفة، انتقم من الفقر وصار عميلًا للسلطة، فقد إنسانيّته ليصير قائد عصابة وجنرال... الأبرياء يُقتَلون وهو يرتقي في سلّم الدرجات! والكلّ يخافه. ينظر في المرآة ليتساءل: "هل أنا مخيف إلى هذا الحد؟"


تتقمص شخصيّة العاشقين لتصوّر مشاعرهم وعواطفهم، لا تفوتها شاردة ولا واردة، فتصوّر الخيانات على أنواعها: خيانة المبادئ، الحرص على المصالح الشخصيّة والامتيازات، المشاركة مع عناصر مأجورة لاغتيال الخصوم وتأجيج الصراعات ليستفيد الكبار – تجّار السلاح والسوق السوداء التي تنمو وتترعرع بغياب الدولة.

للعصابات والمافيا، باسم وحماية الدولة، حضور طاغ على الساحة اليوميّة، تتدخّل بكلّ كبيرة وصغيرة، عبر عمليّات التصفية الجسديّة لكل معارض، من النقابيّين والصحافيّين وكاشفي الفساد السلطويّ ومن السهل "تلبيسها" للجماعات الإسلاميّة التي ترعرعت ونمت هي الأخرى لغياب السلطة وباتت تشكّل خطرًا عليها.

تتناول الرواية، وبجرأة تُحسد عليها، رأسمال المحسوبيّة، نتاج العلاقة الجدليّة بين المال الفاسد ورجال السلطة، حيث يحقّ لضابط الشرطة والأمن والعسكريّ ما لا يحق لغيره، وكلّما علت درجته تزداد سطوته لتنفيذ مآربه ومصالحه الشخصيّة على حساب مصلحة الشعب والدولة.

تتمتّع الكاتبة بنظرة ثاقبة، وتشعر بحَرقة على الوضع وتهدف لتطهير الفساد واقفة أمام "سرقة الشعب وبهدلته وضربه وظلمه" باسم الدولة، دولة "كل من إيدو إله"، فأن تكون رجل دولة يعني أن "يتقاضى راتبًا جيدًا، ناهيك عن المزايا التي يمنحها له عمله، فإنْ تملّك بطاقة عليها ختم وزارة الدفاع معناه أنّك مواطن استثنائيّ في دولة تقدّس البذلة العسكريّة والجزمة الغليظة التي يلبسها أولئك الذين يملكون موهبة إرهاب الآخرين.."(ص15) فلا هموم اقتصاديّة بعد اليوم ولا نضال على كيس الحليب ورغيف الخبز، دون حسيب أو رقيب، بحصانة من الدولة! فرفور ذنبه مغفور. طبعًا مع التغنّي بالوطن وخدمته وازدواجيّة المعايير المقيتة.

يعمل رجل السلطة ليل نهار لمصالحه الشخصيّة، بعيدًا عن مصلحة البلد، ليؤمّن مستقبله آنذاك، وهنا جاءني ما كتبه الروائي زياد أحمد محافظة في روايته: "حيث يسكن الجنرال" حين حدّثَنا عن خطط جنرالاتنا لتأمين مستقبلهم هناك، ولكنّ ماضيهِم والهُنا يلاحقهم ويعذّبهم سائلًا: هل تشعرون بالراحة والاطمئنان والسكينة والسعادة في حياتكم، رغم ما ارتكبتم من الجرائم الدمويّة بحق شعبكم؟ وظلمتم من الناس ما لا يُعد ولا يُحصى؟؟

أخذتني قراءة الرواية إلى رواية "البوكس" للروائي قاسم توفيق الذي تناول فساد السلطة ممَثّلة بالشرطة ، فرجالها مُرتَشون، يُمعنون في إغراق المجتمع بالوحل أكثر، فهم يتغاضون عن جرائم ومجرمين "...بعض رجال الشرطة يضعف فيلجأ لمن هم أقوى منه، من زملائه، كي يحميه من هؤلاء القتلة والمجرمين، والذين يكونون إمّا أقوياء ونبلاء يكافحون الجريمة، أو شركاء وحماة للمجرمين والمطلوبين للعدالة. يقبضون حصّة من مكاسبهم وينجون من بطشهم وانتقامهم..... استطاع أن يخلق علاقات خاصّة مع كبار الزعران والبلطجيّة، ... تبدأ المساومة بين الطرفين يمنح رجل الأمن للمجرم الحماية، ويزوده بأخبار حملات التفتيش التي تنظّمها إدارة الأمن والخطط التي توضع للهجوم على اوكار المخدرات والدعارة، مقابل تزويد المجرم بمعلومات مفيدة في جريمة غامضة أو قضية تسعى الحكومة لحلها تحقيقًا لمكاسب شخصية، أو لإنهاء ولجم حنق الشعب على فقدان الأمن"(ص 36). فيصبح المجرمون مسيّرين لأصحاب الشأن ويشترون صمت رجال الشرطة على أعمالهم، وساستها مجرمون بحيث نجد بعضهم يطلب من البوكس تأديب خصمه.

وكذلك الأمر إلى رواية "كلّ الأشياء" لبثينة العيسى وأبطالها دانة داود وراكان و"بلطجة المال، والقانون الذي تحول إلى هراوة أمنية. إنها القصّة نفسها في كلّ مكان؛ قصّة العالم الذي يتحوّل فيه الحالمون إلى مرادم".

ملاحظة لا بدّ منها، كُتِب في الغلاف الداخليّ أنّها الطبعة الأولى، ولكنّ تبيّن أن الطبعة الأولى للرواية صدرت عام 2010 عن المؤسّسة العربيّة للدراسات بعنوان "لخضر". تساءلت: هل هي أسلوب تسويقيّ أن تُطبع الرواية باسم جديد مُغاير لعنوانها السابق؟

إنّها رواية جديرة بالقراءة لكلّ قارئ في العالم العربيّ وليس بالضرورة أن يكون جزائريًا! رغم أن الفكرة التي تدور في رأس نصف شباب المدينة: الهرب! في طفولته حلم الهرب من البيت وعندما كبر أصبح يحلم بالهرب من البلد، لكن ياسمينة صالح تبعث فيه الأمل والتفاؤل: "مكانك هنا يا "لخضر".. مكانك في بلدك...!".