كنوز نت نشر بـ 13/08/2018 12:16 pm  


لا تجرحونا – اقتلونا



"مَنْ أصيب برجله ثمّ بُترت، يبكي. ليس لأنه فقد رِجْلَه، إنما لأن الجندي لم يقتله"، هذا ما قاله شخص ما خرج من قطاع غزّة لأيام.


بقلم / عميره هس - هآرتس، 12.8.2018ترجمة أمين: خير الدين 

     
بعض الشباب الذين تظاهروا أمس مقابل جدار سجن غزة، تمنَّوْا لو يضغط الجنود المقابلين لهم على الزناد ليضعوا حدّا لحياتهم؟ كثيرون. أكثر مما يُعْلَن عنه وأكثر مما يعترف الفلسطينيون به علنا. " مَن أُصيب برِجْلِه ثمّ بُتِرَت، يبكي، ليس لأنه فقد رِجْلَه، إنّما لأن الجندي لم يقْتُلْه"، هذا ما قاله أحد الذين خرجوا من قطاع غزّة لعدّة أيّام. روى عن شخص عمره 30 سنة ذهب إلى الجدارعِدّة مرّات، وأصيب أكثر من مرّة برصاص جيش الدفاع الإسرائيلي – وأخيرا انفرج غمه، عندما أطلق الجندي المقابل له النار عليه فقتله. لحظة، لكن بحذر، سنصل إلى النساء.
       
ما هي النسبة بين المستمرين بالدفاع عن مبادئ النضال الفلسطيني – بواسطة المظاهرات مقابل الجدار الحدودي، وبين الذين يتخذون من النضال الوطني غطاء لينتحروا – وهم يدركون أن الانتحار عبثا ممنوع حسب الدين الإسلاميّ؟ لا أحد يعرف. إسرائيل تمنعنا من الدخول إلى قطاع غزّة لنسأل أسئلة ولنتلقى أجوبة عليها. والمحادثات بواسطة التلفون لا تكفي، لذلك نكتفي بما يقوله القادمون من هناك – سواء كانوا فلسطينيين أو إعلاميين أجانب.
      
هل يتحرك الناس هناك بدافع الهدفين في آنٍ واحد، وهل البُعْد عن الجدار الحدودي يدل على النسبة بين الرغبة بالموت والرغبة بالنضال من أجل الحريّة؟ لكن البعيدين عن الجدار الحدودي يأتون ليتفرجوا على ما يحدث، هذا ما قاله صحفي أجنبي. هذا ليس نضالا إنما نوعا من التسلية، لأنه ليس لديهم شيء آخر يعملونه والبحر مليء بالقاذورات العائمة. ويلخّص الصحفي الأجنبي، وهو يعرف قطاع غزّة منذ أكثر من عشرين سنة: عندما يضطرّ كل واحد للبحث عن طرق للبقاء، لا يبقى مكان للنضال الوطني.


كثيرون من الشباب الذين يذهبون للجدار الحدودي كي يُجْرَحوا، بدافع التفكير أن حماس ستدفع لهم، وعندئذ يمكنهم تسديد ديونهم لحانوت البقالة ودفع أجرة الدار لشهرَيْن. هذا صحيح: سلطات حركة حماس تدفع للجرحى دفعة واحدة– 200 دولار، هذا ما قيل لي. لكن بشرط أن يكون الجرح بليغا. ثمّة من كان جرحه طفيفا، وعندما ذهب إلى مكتب حماس وطلب نقودا ، رُفِضَ طلبه. غيره كان محظوظا: جُرِح جُرحا يستحقّ التعويض، فذهب إلى الجدار الحدودي مرة ثانية – وتلقى مرة ثانية تعويضا. الجرحى يكتشفون بسرعة ما لم يعملوا حسابه في البداية: بأن لكل جرح تسعيرته (بالإضافة إلى الألم والتشويه). تكاليف العمليات الجراحيّة في المستشفيات مدفوعة. لكن المستشفيات تعاني من نقص في الأدوية. أو أن العائلة تتحمل ديونا إضافيّة، كي تدفع تكالف العمليّات الجراحيّة، أو لا تُجرى هذه العمليات، وعندئذ تخرج الديدان من الجروح المتفسِّخة. وهذه ليس مبالغة.
   
ثمّة مَن توهّموا بأن تحصل عائلاتهم على تعويض كبير إذا قُتِلوا، أو أن الدفع عن جروحهم سيكون شهريّا. هؤلاء لا زالوا يعيشون في أجواء الانتفاضة الثانية، عندما كان صدام حسين وإيران يرسلون أموالا لهذا الغرض وكانت السلطة تتحمّل المسؤوليّة. انتهت هذه الأيام إلى غير رجعة. لقد خرج الشباب في رمضان إلى مسيرة طمعا بوجبة إفطار دسمة، قدمتها حركة حماس. وفي أيام أخرى يحصلون على ساندويشات ومشروب بالقرب من خيام الاحتجاج. لكنهم يتعرضون للخطر حتى وإن لم يكونوا بالقرب من الجدار الحدودي بل على بُعْد ما منه. بالقرب من الخيام - كما قال صحفي كان يقف هناك في الأسبوع الماضي، مرت الرصاصة التي أطلقها جندي من جنودنا البواسل بمحاذاة أُذْنِه.
     
تلقينا في الأسبوع الماضي تأكيدا خطّيّا للخلط بين الرغبة بالموت وإدراك معنى النضال. عبدالله القططي، ابن أل – 20 سنة، كان مُضمّدا متطوّعا يخرج كل يوم جُمعة لينقذ جرحى غير مسلّحين من رصاص جنود أقوى جيش في المنطقة. وقد كتب تغريدا في الفيسبوك قبل تسعة ايّام، وقال مَن شاركه كان هذا آخر تغريد له على الفيسبوك: "كما تعودتُ كل يوم جُمعة كنت أذهب إلى الحدود، لكن يوم الجمعة هذا يختلف. أذهب هذه المرة ككل شاب ثوريّ يدافع عن وطنه وعن أرضه، لا يهمّنا الهدف من المسيرة ولا تهمّنا أهداف أي منظمة من هذه المسيرة، كل ما يهمّنا هو أرضنا وكرامتنا. وباختصار نهرب من مووووووووووت إلى موووت. على أمل أن الموووت الثاني أرحم من الموووووووووووت الأول. وبهذا تنتهي الحكاية". أي أن: الحياة في غزة هي موووووووت من نوع آخر. أوّل أمس أطلق جندي إسرائيلي النار على المُضمّد القططي وقتله.
  
والآن إلى النساء المتظاهرات، ولكونهن أقلية قد يفهم هذا على أنه اتّهام أو إهمال، بأن يحتججن. لكن فلسطينية كانت قد تحدّثت مع نساء ذهبن إلى الجدار الحدودي وبعضهن قام بذلك بدوافع وطنية، أو أن الدوافع الوطنيّة أفسحت المجال بالتدريج لدوافع شخصيّة – اقتصادية. بعضهن ذهبن كي يُجْرَحْن وكي يحصلْن على تعويض، وأُخرى كي تكون قريبة من ابنها المتظاهر وكثيرات ذهبن ليمُتْن: هذه – زوجها يرفض الطلاق منها، والأُخرى – عانس تظن أنها أصْبحتْ بضاعة غير رائجة في المجتمع، والثالثة تهرب من العُنْف داخل العائلة والرابعة لا يمكنها تحمّل الضائقة الاقتصاديّة، وهي في مطاردة مستمرة وراء شيكل للحليب وشيكل آخر لشراء الماء من الحنفيّة. إن ظاهرة انتحار النساء بواسطة الجندي معروفة لنا في الضفة الغربيّة أيضا.

 لقد بلغ الفقر في قطاع غزّة حدّاً من الصعب تخيّله، حتّى لمَن يُسْمح له بالدخول ليرى بعينيه. اليأس المتنامي هناك، خلف السور الحديدي الذي أقامته إسرائيل، لا زال يبحث عن مُعْجَم يشرحه.