كنوز نت نشر بـ 12/08/2018 02:31 pm  


إيناس وبيان خمّاش رحمهما الله، أمٌّ وطفلتها، ماذا في ذلك؟


بقلم : جدعون ليفي هآرتس، 12.8.2018 ترجمة: أمين خير الدين 


إلى أوري أفنيري : عندما يزداد التعطش للدم في شبكات التواصل ويفيض على ا لضفاف؛ عندما يغرّد شمعون ريكلين: ما يهمّنا أن تقتلوا أكثر ما يمكن من المخرّبين، حتى يعلو صراخ عائلاتهم على جرائمهم المريضة بالقتل"؛ في نفس الوقت يوآب غالنت، وهو شخص يداه ملطّختان بكثير من دم أهالي غزّة، فاضت شاعريته بالمزامير التوراتيّة: "أتبع أعدائي فأدركهم ولا أرجع حتى أفنيهم"؛ في الوقت الذي يكتب فبه يئير لبيد: "على جيش الدفاع الإسرائيلي أن ينتهك حرمتهم بكل قوّته، بدون تردد، وبدون محاسبة ذاتيّة". في هذا الظرف قُتِلت إيناس وبيان خمّاش. 
  
كانتا أمّ وابنتها، إيناس عمرها 23 سنة، في الشهر التاسع من حملها، بيان طفلة عمرها سنة ونصف السنة. قُتلتا من صاروخ أصاب بيتهما، بيت مُسْتأجر من طابق واحد في دير البلح. أبو العائلة، محمد، أصيب إصابة بالغة. قَتْلُهما لم يُشْبِع حتى القليل من شراهة القتل في شبكات الإعلام. بصعوبة ذُكر عنهما في وسائل الإعلام الإسرائيليّة. إلغاء زفاف في سديروت حظي بالتذكير في وسائل الإعلام أكثر من قتلهما. هذه هو سلّم الأفضليات الإسرائيلي. ليس فقط عدم الإعلان بتوسع عن معاناة سكان حاضن غزّة، إنما التجاهل التام من ضحايا الطرف الآخر، ومن مقتل أمٍّ حاملٍ وابنتها، وهذا يُعْتَبَر مساهمة في الدعاية الحربيّة. وعدم المبالاة المُطْلَقَة لدى الجمهور بما يتعلّق بكل عملية قتل، بالإضافة إلى التعطش للقتل وقد أصبح مقبولا سياسيّا، يشهد على انحلال، انحلال لا مثيل له.
 
 ليس من الصعب تصوّر ما كان سيحدث، هنا في البلاد وفي العالم، لو قتلت حركة حماس أمّا حاملا وابنتها الطفلة. لكن إيناس وبيان فلسطسنيتان من دير البلح.. صِهْر وعمّ القتيلتين، كمال خمّاش، قال: "كانتا مواطنتين في بيتهما، تحلمان بالطفل الذي كان من المفروض أن يولد في الأيام القريبة القادمة".

    
هل هناك إسرائيليون حوّلوا نظراتهم للحظة إلى أعزّائهم، وتخيّلو افظاعة مقتل أمّ حامل وابنتها الطفلة على ذراعيها؟ هل يجول بخاطر أحد هنا أن تكون إيناس وبيان الأم الحامل وابنتها الطفلة، مثل جيرانهم خلف الأبواب المقابلة. مثل البنت والحفيدة. مثل الزوجة وابنتها، هل مثل هذه الأفكار يمكن أن تجول اصلا في مناخ عدم الإنسانية، الدعاية، شطف الأدمغة، حين تبرر كل قَتْل وتتّهم العالم، عدا الفاعل القاتل. وأمام وسائل إعلام همّها الأوّل أن ترى مزيدا من الدم المُراق في غزّة وتعمل كلّ ما تستطيعة لزيادة إراقة هذا الدم؛ مقابل تبريرات جيش الدفاع الإسرائيلي بأنه لم يقصد أبدا إصابة امرأة حامل وابنتها، ويعود يكرر ذلك أكثر من مرّة- هل هناك أيّ احتمال أن يصدم قتل امرأة وابنتها أحدا؟ أو أن يُزْعِج أحدا؟
  
منذ اثنتي عشر سنة تقريبا وغزّة مغلقة أمام الصحافيين الإسرائيليين بأمر من إسرائيل والصحافة الإسرائيليّة المُحارِبَة تتقبل ذلك بخنوع وسرور. كم كنتُ أتمنى أن أصل الآن إلى بيت إيناس وبيان، لأحكي حكايتهن وخاصة لأذكر للقارئ أنهما كانتا من الإنس، من البشر، أمر كهذا مستحيل في المناخ السياسي السائد في إسرائيل.
   
في إحدى سفراتنا الأخيرة إلى غزّة، في سبتمبر/أيلول 2006، وصلنا أنا والمصوّر ميكي كرصمان، إلى بيت عائلة حمّاد في حيّ البرازيل من مخيم رفح للاجئين. حيث فُغِرت هوّة كبيرة على بُعْد أمتار من بيت الصفيح البائس الذي دخلناه. في عتمة البيت استطعنا أن نرى كرسيّا بعجلات محطّما وامرأة مستلقية على كنبة. قبل ليال قليلة من ذلك اليوم سمع ابناء العائلة أصوات طائرات في السماء. باسمه، ابنت أل - 42 سنة في حينه، مشلولة الجسد، كانت تنام على سريرها الحديدي، نادت على ابنتها الوحيدة، ابنة ال – 14 سنة، لتسرع إلى سريرها كي تحمي الأمّ المشلولة ابنتها من أيّ سوء. سقط سقف الباطون عليهما وقتل دام، البنت الوحيدة، وهي تختبئ بين ذراعي أمّها.

  منذ مَقْتَل إيناس وبيان، أفكّرُ بدام العز وأمّها.