كنوز نت نشر بـ 09/08/2018 07:00 pm  


اللحظة التي لم يَعُد يُحْتَمل فيها السلوك العاديّ


يوسي كلاين هآرتس، 8.8.2018  ترجمة امين خير الدين

     
أحيانا يجب مراجعة التاريخ من النهاية إلى البداية. ويجب تحديد نقاط التحوّل، النقاط التي تشير إلى الانقلاب أو التحوّل الذي أدّى إلى التغيير، اللحظة التي يُمكِن الإشارة عليها والقول: هنا بدأت النهاية. مشكلة هذه اللحظة هي، أنه لا يمكن تحديدها إلاّعندما ينتهي كلّ شيء فقط، وعندما لا يمكن عمل شيء مع النتائج والعِبَر. إنها لحظة مصيريّة عندما نصلها نقول لا يمكننا الاستمرار هكذا – أو أننا نهرب.
      
من الصعب تحديد لحظات كهذه. عندما أقام موطي أشكنازي خيمته لم يقل أحد أنها بداية النهاية لحكومة غولدا، وعنما قُتِل رابين اعتقدت قلّة أن القتل سيأتي ببيبي. كيف ستكون نقطة التحوّل القادمة؟ كيف ستكون عندما تلغي محكمة العدل العليا قانون القوميّة؟ وهل بعد الإلغاء ستبدأ معركة السلطات ألتي وعدت بها أييلت شكيد؟ هل ستبدأ حرب اليسار ضدّ اليمين والتي ستقودنا إلى النهاية الحتميّة التي لا يمكن منعها؟
  
لن تكون نهاية حكم العنصرية – الدينيّة محمودة. لن تكون نهاية حسنة لمَنْ جوابه الوحيد للمشاكل لا يوجد حلّ. الجواب "لا يوجد حلّ" لم يكن في أيّ حال ساكنا، لم يكن في المواجهة مع الفلسطينيين، ولا في المواجهة بين اليمين واليسار. الجواب "لا يوجد حلٌّ" فراغ ينتظر الامتلاء. الحلول التي يرفضها اليمين مرّتَييْن في الأسبوع الواحد ستسقط في النهاية على رأسه وعلى رؤوسنا. حلول كهذه لن تكون مريحة أبدا. وليس السؤال ماذا إذا وقعت، إنما متى ستقع.
   
حتى تصل النهاية نحن في الأوقات الوسطى، في الغَسَق،، نعيش على أمل ألاّ يحل الظلام، أو على الأقلّ ألاّ يسقط عندما نكون مع أطفالنا بقربه، إننا نسمي الغَسَق "عاديّا". نحِنُّ للسلوك العاديّ، إننا نحتاج أرضا ثابتة تحت أقدامنا.
 
 نحن يائسون من الأمور العاديّة، حتى أننا مستعدون لأن نقنع أنفسنا بان غير العادي هو عادي.كأنّ الدولة التي لا حدود لها وأن مليونا من سكانها لا حقوق لهم هي دولة عاديّة، وكأن الدولة التي يحرِّض رئيس حكومتها ضد مواطنيها هي صيغة محليّة وعادية فريدة من نوعها.
    

وربّما، نسأل، أهكذا تبدو الأمور العادية؟ أهكذا نتزوّج ونلد ونشتري دورا ونغيّر سيّارات كما في الدول العاديّة. نعزّي أنفسنا بأنه ليس من الضروري أن تكون لكل بداية أمر غيرعادي نهاية غير عاديّة، وأنه ليس كل "قانون قومية" يهودي يؤدّي إلى "قانون التمكين" النازي، وأنه ليس كل كبت للعرب سيؤدي إلى كبت لليهود.
   
المقارنة مع ألمانيا تُغْضِبنا. لكن كلّ مّن تنبأ في سنوات ال – 20 بما سيحدث في سنة 1940، نجا، ومَن أوهم نفسه بأن ما يحدث من جهة واحدة من فوضى وقتل ومن جهة أخرى بريخت يكتب وغروس يرسم بأنها أموراعتيادية وممكنة - دفع حياته ثمنا.
   
وهنا أيضا نريد أن نصدّق، بأن الجَمْعَ بين الشذوذ والإيروفيزيون (مسابقة الأغنية الأوروبيّة - المترجم) مع العنصريّة، والتعصّب والكبت، قد تبنى نوعا من الحياة العاديّة. ونريد أن نصدّق أن الحوار بين اليسار واليمين وبين العلمانيين والمتدينين هو أمر عادي. إننا نستبعد بأن حكومتنا تخطط من أجلنا حياة عاديّة أخرى، حياة عادية من الأفلام، حياة عادية لم نحلم بمثلها.
   
الحكومة حَذِرَةٌ، لكنها مصمَّمَة. والطريقة التي ستتغير بها الأمور العادية ستكون حذرة ولكنها مُصمَّمَة. في نهاية الأمر ستسيطر الأمور الاعتيادية على المدارس، وستسيطر على الجيش وستشمل المحاكم. وسنحشر ما تفعله الحكومة للديمقراطية في خانة حياتنا العاديّة. سنتَعوّد. سنتعوّد على التحقيقات في المطارات، على الفصل بين الشباب والفتيات في الجيش، على تمييع التحقيق مع رئيس الحكومة.
   
 آنئذٍ، فجأة، سنسأل أنفسنا هل حقّا هكذا تكون الحياة العاديّة، سنسأل إن كان ما نشتريه من دور، وما نغيّر من سيّارات ومن سفر لخارج البلاد تساوي هذه الحياة العاديّة، سنسأل إن لم يكن مرّة المسُّ بالحريّة الدينيّة، بحريّة التعبير وبالمساواة أمام القانون الجزء الأكثر أهميّة في صفقة حياتنا العاديّة.
     
عندما نكتشف أن صفقتنا هزيلة لدرجة السخرية، سنسأل أنفسنا عن نقطة اللاعودة، هل أصبحت وراءنا، وسنسأل أنفسنا أيضا متى أصبحت حياتنا العادية لا تُحْتَمَل، ومتى سنقول، كفى. متى سيحدث هذا؟ عندما يلغون ملفات بيبي؟ عندما يقلِّصون مخصصات التقاعد؟ عندما يرفعون أسعار البيوت الصغيرة ذات الطابقَيْن؟ عندما يلغون محكمة العدل العليا؟ قد نميّز هذه اللحظة، للأسف الشديد، بعد النهاية فقط.