كنوز نت نشر بـ 02/08/2018 07:39 pm  


الحنكة والدَّهاء يحسمان ...... وتأتي الحقائق صادمة


بقلم : الشَّيخ حمَّاد أبو دعابس - رئيس الحركة الإسلاميَّة 

معظم التَّحوُّلات الكبرى في عالمنا الإسلاميِّ المعاصر ، تتكشَّف للمُشاهد بأثرٍ رجعيٍّ دائماً ، بعد أن يفيق على الحقائق الصَّادمة ، ويعلم لاحقاً مدى الغبن والتَّآمر السَّابقين لمَشاهد المسرحيَّة الَّتي شاهدها الجميع . ولو بدأنا بمشهد إسقاط الخلافة العثمانيَّة قبل قرنٍ من الزَّمان ، لرأينا خبث الإنجليز ودهاءهم ، في تحريش القيادات العربيَّة العشائريَّة ، ضدَّ الأتراك ، والوعود العرقوبيَّة لهم بإقامة الدَّولة العربيَّة الكبرى . ولرأينا كذلك صناعة الرَّمزيَّة الأسطوريَّة لمصطفى كمال أتاتورك ، كقائدٍ يصنع البطولات والإنتصارات . كلُّ ذلك لحسم المعركة ضدَّ تركيا بأقل مجهودٍ وتكلفةٍ ممكنين . وحينما تتعقَّب المشاهد الممهِّدة لقيام دولة إسرائيل ، فإنَّك لا بدَّ أن ترى الدَّور الإنجليزيَّ الأساسيَّ ، والتَّنسيق مع القوى العربيَّة العشائريَّة ، والجمهوريَّة على حدٍّ سواء . فضلاً عن بعض المكوِّنات من داخل الشَّعب الفلسطينيِّ ( وقد شهدنا اعترافات بعضهم مؤخراً من العرب الطَّيِّبين وفق تسميتهم ) . كلُّها أدوارٌ مسرحيَّة يلعبها ممثِّلون صهاينةٌ وغربيُّون ، يسقط فيها العرب في شباك الخيانة والخذلان ، ليدفع ثمن ذلك ، الشُّعوب المستضعفة ، قتلاً وتشريداً وضياعاً . ثمَّ كانت مهزلة عام ٦٧ ، وأوامر الإنسحاب قبل أن يحمى وطيس المعركة ، أسلحةٌ فاسدةٌ ، وجيوشٌ مهترئةٌ ، وقياداتٌ مطبَّعة ، لتكتمل المسرحيَّة .

وعلى نفس المنوال سقطت أفغانستان والعراق . يصنع الأجنبيُّ بين العرب والمسلمين عداواتٍ وهميَّةً ، فيسلِّط بعضهم على بعض ، حتَّى إذا أُنهكوا جميعاً ، جاء تدخُّله "الإنسانيُّ ، لحقن الدِّماء وصناعة السَّلام " . وهو في الحقيقة ، أبشع أنواع الإستغلال ، والإذلال ، والهيمنة على مقدَّرات العرب والمسلمين . ويستمرُّ المسلسل في دول "الرَّبيع العربيِّ " ، دعمٌ لثورات الشُّعوب ضدَّ الحكَّام المستبدِّين ، حتَّى إذا تورَّطوا وانكشفت أوراقهم ، انقلبوا عليهم ، داعمين للدُّول العميقة ، لتدمير الشُّعوب والإمكانات العربيَّة ، وإعادة تشكيل المنطقة ، بجغرافيا جديدة ، وشرقٍ أوسطٍ جديدٍ .

وهكذا التَّمهيد للإنقلابات ، والحروب المدمِّرة ، والإتِّفاقات المهينة ....... خبثٌ ودهاءٌ أجنبيَّان ، يرافقهما تمزيقٌ للصَّفِّ العربيِّ ، وإغراءٌ لذوي المصالح الضَّيِّقة ، يعقبها تدمير ذاتيٌّ من الدَّاخل ، والتَّتمَّة بتدخُّلٍ خارجيٍّ حاسمٍ .

نتنياهو وحصاد القرن

يطمع نتنياهو مع حكومته الأكثر يمينيَّةً ، في إسرائيل ، أن يحصد ثمار جميع التَّحوُّلات الإقليميَّة والعالميَّة ، لصالحه وفي فترته ، ليثبِّت في الذِّهنيَّة الإسرائيليَّة ، أنَّه القائد الأسطوريُّ الَّذي لا يشقُّ له غبار . ويرى اليمين الإسرائيليُّ العنصريُّ ، أنَّ الفرصة التَّاريخيَّة قد تهيَّأت بين يديه الآن ، للإجهاز على كلِّ أحلام الفلسطينيِّين والعرب : تصفية القضيَّة الفلسطينيَّة ، إخضاع العالم العربيِّ بالشَّكل النِّهائيِّ المطلق ، وإقامة إسرائيل الكبرى ، عاصمتها القدس الموحَّدة ، "وجبل الهيكل " أهمُّ معالمها ( وفي هذا السِّياق تأتي صفقة القرن المزمعة ) ، واستغلال دعم الرَّئيس الأمريكيِّ اللّا محدود ، والمعادلات الدَّوليَّة الّتي تصبُّ كلها في صالحه . كما ويهدف اليمين الإسرائيليُّ المتطرِّف للحسم والإنتصار السَّاحق على مخلَّفات اليسار الإسرائيليِّ ، "المهادن للعرب " ، وفق ادِّعاءاتهم . وعليه فلا بدَّ من حسمٍ يمينيٍّ في المجال التشريعيٍّ ، والقضائيِّ والإعلاميِّ ، لتغيير الصِّبغة الرَّسميَّة للدَّولة العميقة في إسرائيل ، نحو أقصى اليمين ، في نفس إتِّجاه الشَّارع الإسرائيليِّ .

في هذا السِّياق يمكن النَّظر بالكلِّيَّات ، لقانون القوميَّة الإسرائيليِّ ، ولنقل السَّفارة الأمريكيَّة إلى القدس ، وللإستفزازات المستمرَّة في القدس والأقصى ، مع مناوشة غزَّة وإيران ، ومغازلة دول الخليج ، والتَّحريش بين الدُّول والشُّعوب العربيَّة .

الصَّادقون يدفعون الثَّمن

العلماء العاملون ، المفكِّرون الصَّادقون ، والوطنيُّون المخلصون ، هم أوَّل من يكتشف حجم الدَّهاء والخبث ، الَّذان يسبقان الكارثة . فإن نبَّهوا وحذَّروا سلفاً اتُّهموا بالتَّحريض ، وإثارة الفتن ، ولم يقف إلى جانبهم إلا القليلون . وإن تحرَّكوا بعد وقوع المصيبة ، اتُّهموا بالتقصير ، وقلَّة الحيلة ، وانقلب المغرضون ضدَّهم ، وليس ضدَّ جلَّاديهم . فيا أيُّها الصَّادقون المخلصون من شعبنا ووطننا وأُمَّتنا ، تآزروا ، تعاونوا وتناصروا ....... احشدوا قواكم ، ووجِّهوا سهامكم نحو صدور الغاصبين الظالمين ، ولا تلتفتوا للمثبِّطين ، فإنَّه لن يخلو منهم زمان ولا مكان ....... وحين تنتصرون ، لربَّما كانوا بين صفوف المصفِّقين المهنِّئين ، أو الصَّامتين المحلِّلين . في حين تكونون أنتم تتصدَّون للعدوان القادم ، والخبث الدَّائم ، فلا تكلُّوا ولا تملُّوا فالنَّصر بإذن الله قادم .
والله غالبٌ على أمره .