كنوز نت نشر بـ 12/07/2018 10:38 am  


قراءة في قصيدة "رجل لا يناسبه الانحناء"

للشاعر الفلسطيني عزالدين المناصرة

•الدكتور محمد جواد علي (العراق)


- تحضر (الأنا الشاعرة) غالباً في كثير من قصائد الشعراء القدامى والمحدثين، وذلك لأن القصيدة تعبر دائماً عن حالة إنسانية تختص بها الأنا الشاعرة، من أجل أن تقدم رؤيتها الشعرية من خلال حشد العواطف والمشاعر الخاصة بالتجربة الشعرية التي تحملها القصيدة، وثمة شعراء يبالغون أحياناً في حضور الأنا في قصائدهم إلى درجة النرجسية والغرور، لكنهم في الأحوال كلها يقدمون رؤية شعرية يمكن أن تكون معبرة عن تجربة الذات حصراً، أو تعبر عن تجربة ذوات أخرى تحيط بهذه الذات.

الشاعر (عزالدين المناصرة) أحد كبار الشعراء الفلسطينيين يستحضر ذاته الشعرية في الكثير من قصائده، وهي ذات شعرية فردية في سياق، وذات فلسطينية وطنية في سياق آخر، وذات عربية قومية في سياق ثالث، ثم ذات إنسانية عامة في سياق رابع، وفي الأحوال كلها فهو من الشعراء الذين يعتزون كثيراً بذواتهم على أكثر من صعيد.

- قصيدته الموسومة بـ(رجل لا يناسبه الانحناء) تنتمي إلى جوهر الذات الشاعرة انتماء مطلقاً، وذلك من خلال حرارة التعبير والتصوير والتدليل الشعرية التي لا يمكن إلا أن تكون بهذا القدر من الانتماء إلى الذات، فالعبارة العنوانية مؤلفة من خبر مفرد نكرة هو (رجل)، يأتي بعده فعل مضارع منفي ينفي المناسبة لحالة معينة، ومن ثم يأتي الفاعل (الانحناء) ليعبرعن موطن النفي ويثبت عكسه، بمعنى أن الرجل الذي لا يناسبه الانحناء إنما يناسبه الرفعة والعلوّ والشموخ وكل ما من شأنه الاعتزاز بالذات.

- عتبة الاستهلال الشعري هي عتبة مخصوصة تستمد خصوصيتها من الطبيعة الجسدية والروحية المتعلقة بشخصية الرجل المشار إليه في عتبة العنوان:

عيّروه بأنفٍ يشقُّ عنانَ السماء وبالنرجسِ الدمويِ الذي في الضلوع  وبالصمتِ والكبرياء. 

فالجملة الشعرية الأولى في عتبة الاستهلال تبدأ بداية اجتماعية تقليدية كثيراً ما تحصل في مجتمعاتنا التي تتعامل بصورة مباشرة وشكلية مع الأشياء (عيّروه بأنف)، وبما أن الأنف هو جزء من خلق إلهي لا يحسن نقده أو التعبير به، فقد جاء الردّ الشعري مناسباً،حين استكمل الشاعر بعبارة (يشقّ عنان السماء)، من أجل الإيجاء بأن موطن المعايرة الخاص بصورة الأنف هو في الوقت نفسه مصدر فخر واعتزاز، من خلال علوّه وارتفاعه نحو الأعلى دلالة على القوة والصلابة في الشخصية التي تحمله، ولا يكتفي في رسم الصورة الاستهلالية عند هذا الحد بل يمضي باتجاه عطف هذه الصورة على صور أخرى تضاعف من قيمة الصورة الاستهلالية الأولى وقوة حضورها.

الصورة الثانية المعطوفة في عتبة الاستهلال هي: (وبالنرجس الدموي الذي في الضلوع)، وهنا يتجاوز الشاعر حساسية الصورة الأولى وردّ فعله الشخصي عليها، ويمضي في سياق تشكيل صورة شعرية مجازية تقوم على تحويل الجسد إلى كائن ملتحم بالطبيعة في أوج تدفقها، فعبارة (النرجس الدموي) تزاوج بين (النرجس) الذي يمثل زهر الطبيعة في ربيعها، وبين (الدم) الذي يسري في عروق الجسد، وبأن هذا النرجس الدموي الذي يتحرك في الضلوع هو دم الشاعر المبدع رمز حضارة الشعب والأمة، وبأن أنفه الشامخ يناسب هذا النوع من النرجس الدموي ويتفاعل معه من أجل عطاء شعري وثقافي أكبر.
- ثم تأتي الصورة الاستهلالية المعطوفة الثالثة (وبالصمت والكبرياء)، كي تضيف إلى التشكيل العام للصورة الاستهلالية قيماً جديدة، القيمة الأولى هي (الصمت) بوصفها قيمة تعبيرية تتصل بالتأمل والسكون والهدوء، والقيمة الثانية هي(الكبرياء) الذي يجعل من الشخصية شخصية استثنائية تستكمل شروط الصورة في هيأتها العامة الكاملة.

- تفضي العتبة الاستهلالية إلى متن شعري محتشد بشبكة من الصور الشعرية المتعلقة بشخصية الرجل الذي قدمته عتبة العنوان، حيث يسعى الشاعر في كل صورة إلى بناء ملمح معين من ملامح شخصية هذا الرجل.

الصورة المتينة الأولى تصف الـ(الرجل) في شكله الشعري الخاص الذي يتميز بالشرود والانتماء إلى الفضاء الخارج عن الواقع:

رجلٌ شاردٌ دائماً في حنايا الفضاء 

أما الجملة الخبرية بالوصف (رجل شارد)، والشرود هنا صفة إيجابية تدل على خصوصية في النظر إلى الكون والأشياء، وهي إحالة على شخصية شاعر في هذا السياق المحدود بقيمة ذات طبيعة تنمتي إلى عالم الشعر، يعقبها بظرف ملازم للظرفية هو (دائماً) تعبيراً عن دوام الحضور والفعل والممارسة، وهذا الشرود الدائم حتى يكون شعرياً لا بد له من مكان وزمن ورؤية تسنده وتحقق مبتغاه، لذا تأتي شبه الجملة المكملة للصورة (في حنايا الفضاء) حتى تبرر إيجابية النظرة إلى حالة الشرود، وجعله ممارسة شعرية لا يتصف بها غير الشعراء، بمعنى أن الرجل الشارد هنا اكتسب صفة الشعرية حتماً.

- الصورة المتنية الثانية هي استعادة لصورة العنوان كاملة وتكرارها إمعاناً في تثبيتها وتوفير فرصة قراءةمضاعفة لها:


رجلٌ لا يناسبهُ الانحناء

بحيث تبدو الصورة المكررة والمنتزعة من عتبة العنوان وكأنها صورة جديدة تسهم في توكيد نزعة الرفعة والكبرياء، من خلال نزع صفة الانحناء التي جرى شعرياً العمل على نفيها نفياً قاطعاً في عتبة العنوان وفي داخل المتن الشعري أيضاً.

ينتقل المتن الشعري بعد ذلك إلى مرحلة جديدة من مراحل التعبير في بناء جملة القول المنسوبة إلى الغائب في جملتين تنتميان إلى الوصف الجسدي:

قيلَ يشبهني في التقاطيع، قيل: خصوصاً سوادُ العيون 

الجملة القولية الأولى تحاور الشكل العام لصورة الشخصية في نموذجها الذاتي، إذ انتقل التوصيف الشعري من (رجل) مفرد نكرة إلى منطقة الذات الشاعرة (قيل يشبهني)، فالفعل المبني للمجهول (قيل) يحيل على فاعل غائب، وتأتي شبه الجملة (في التقاطيع) لتدخل الصورة في فضائ الاحتمال، ثم تأتي الجملة القولية الثانية لتدهب إلى التخصيص بعد التعميم، فمن كلمة (التقاطيع) وهي كلمة عامة إلى التخصيص بوساطة (خصوصاً) نحو (سواد العيون)، إذ تنتهي هذه المرحلة من التوصيف الشعري وتدخل الذات الشاعرة بهذا التحديد التوصيفي للشكل المحتمل في جملتي القول، ويعود المتن الشعري مرة أخرى إلى التوصيف النكرة المفرد لشخصية القصيدة بما يتلاءم مع عتبة العنوان.

تتكون العودة الجديدة على فضاء الإفراد والتنكير لشخصية القصيدة من مجموعة جمل شعرية تعمل على استكمال صورة الشخصية، وتبدأ الجملة الأولى وقد احتشدت بثلاث صفات تبدو في فضاء التلقي الطبيعي للمعنى اللغوي متناقضة، غير أنها في مضمار التشكيل الشعري الذي يصف شخصية شعرية لا تبدو على هذا الشكل من التناقض، لأن الصفة الشعرية في الشاعر تجمع أساساً بين المتناقضات.

رجلٌ واضحٌ غامضٌ وحزينْ 

يتقدم الموصوف (رجل) محاطاً بثلاث صفات، الصفة الأولى (واضح)، وفي صفة أصيلة لابد منها في شخصية الشاعر حتى يلقى قبولاً من لدنّ جمهور القراء والمتلقين، غير أن صفة الوضوح هذه سرعان ما تلحقها صفة تناقضها تماماً (غامض)، لكن شخصية الشاعر من دون صفة الغموض تفقد الكثير من حساسيتها وسحرها، يمعنى أن الصفتين المتناقضتين على الصعيد الواقعي الاجتماعي هما صفتان أصيلتان في شخصية الشاعر، لا بد للشاعر أن يكون واضحاً وغامضاً في وقت واحد، ولعل الصفة الثالثة المعطوفة على هاتين الصفتين (وحزين) تتحرك باتجاه جمعهما في كيان واحد، فالحزن خاصية شعرية منتجة لا يمكن أن تكون بعيدة عن شخصية الشاعر بأية حال من الأحوال.

- الجملة الشعرية الأخرى التي تعمل على وصف شخصية القصيدة في صورتها النكرة المفردة (رجل) تكشف عن قيمة الممارسة اللغوية التي أنجزتها هذه الشخصية، ضمن سياق الفعالية الشعرية التي أداتها اللغة:

رجلٌ ساهمٌ في (لعلّ)، (عسى) سابحٌ في بحارِ المنى 

إذ يتقدم الموصوف المكرر (رجل) مستنداً إلى صفة (ساهم)، وهذه الصفة تتجه نحو (لعل) و(عسى)، في إشارة إلى الانشغال بقضايا اللغة ومسائلها الإبداعية، تلحقها صفة أخرى هي (سابح) لتكوّن جملة مجازية عابرة للدلالة (في بحار المنى)، على نحو تستكمل فيه الصورة الشعرية كيانها التشكيلي للوصول إلى صورة الشاعر، وتبقى لحظة التصريح النهائية بالكينونة التي يجب أن تصل إليها شخصية القصيدة التي بقيت من أول القصيدة حتى آخرها متشبثة بموصوف مفرد نكرة (رجل)،فما تلبث أن تأتي لحظة الحسم الشعرية، وتصرح الذات الشعرية بأنويتها الصريحة الظاهرة.

إنّه – دونَ لفٍّ ولا دوران - أنا

فيأتي التوكيد أولاً في جملة إن (إنه) للإشارة إلى النكرة المقصودة (رجل)، التي تتحرر من نكرتها وتفصح عن انتمائها إلى الأنا الشاعرة (أنا)، وقد فصلت بين اسم إن وخبرها جملة اعتراضية تعمق الشعور بالإعلانية والاعتراف (- دون لف ولا دوران -)، وهي جملة أشبه بالمثل الشعبي المتداول بقوة للتعبير عن قوة وضوح الاعتراف بلا مبالاة.
_______________________
•الدكتور محمد جواد علي: مسارات الخطاب الشعري، دار غيداء، عمّان، 2017