كنوز نت نشر بـ 10/07/2018 11:48 am  


عالم سهيل كيوان الساخر- مصرع حاتم طيّ



بقلم : د. فياض هيبي : كاتب فلسطيني ومحاضر في كلية القاسمي



شهادة :

يعود الكاتب سهيل كيوان مع مجموعته القصصية الجديدة "مصرع حاتم طيّ" ليدخل عالم الأدب الساخر من أوسع أبوابه، ويرسّخ قدمين اثنتين لا واحدة في الكتابة الساخرة، وبذلك يحقق حضورا لافتا بارزا في المشهد السردي – القصصي المحلي، يخوّله أن يتجاوز هذا المحلي نحو نطاق أوسع بكل جدارة واستحقاق. 

نقول هذا الكلام مبكراً، والذي يبدو أقرب إلى التلخيص والإجمال منه الى التقديم والاستهلال، لأنّ النصّ الأدبي الجيد الذي يورّط القارئ ويشدّه بكلّ ما أوتي من قوة، لم يعد مفهوماً ضمناً في ظلّ تراكم النصوص وحركة النشر التي تبدو كمية، رغم محدوديتها، أكثر منها كيفيّة ونوعيّة. تأتي هذه المجموعة الثالثة في الترتيب منذ العام 2005 حين صدرت مجموعته "تحت سطح الحبر" وبين الأولى والثالثة صدرت " مديح لخازوق آخر" عام 2013. نؤكّد من خلال هذا العرض الكمّي – الزمني لإنتاج الكاتب في السنوات الأخيرة، على التنوّع والاختلاف في المواضيع والأساليب، رغم المجال الواحد الذي تنتمي إليه معظم النصوص في المجموعات السابقة، وهو المجال الساخر. 

وهنا بالضبط تكمن أهمية أدب كيوان وقيمته، وهكذا بالضبط تكون النصوص قادرة على الاستفزاز الذي يتعدّى نشاط القراءة. ولن نبالغ أذا قلنا إنّ كيوان يؤسس لمشروع أدبي كامل، نتابع حاليا مراحل هامة منه، ونراه ينمو ويتكامل في مراحله القادمة.

 عن الكتابة والالتزام

يقول جان بول سارتر Sartre Jean-Paul إنّ كلّ كاتب منتمٍ بالضرورة. وهو بذلك متورّط في حاضره وبيئته ومجتمعه رغما عنه لا بإرادته، وغير معزول، بالتالي، عن هذا المجتمع بأي حال من الأحوال. يعاين هذا الواقع ويرصده بأدق تفاصيله، في أسلوب يتعدى التوثيق والتسجيل. 

ونصوص سهيل كيوان في هذه المجموعة، كأي نصّ أدبي آخر مفترض، لا تحيد عن هذه اللازمة. ولكن التزام كيوان في هذه المجموعة جاء مطعّماً بروح فكاهية ساخرة إلى أبعد حدّ، وهو ما يعطيها زخما أكبر. 

الكاتب بهذا المفهوم يحقق "اللازمة" السابقة كاملة غير منقوصة. ويبرهن بما لا يقبل الشكّ أنّ الكاتب "الجيد" هو ذاك المتابع والمتورّط في قضايا شعبه وهمومه حتى النخاع. لا يدع صغيرة ولا كبيرة إلا ويرصدها ويعاينها، من باب المسؤولية وصدق الانتماء.

 وقد فاجأني كيوان حقيقة برصده ومعاينته لهذه الهموم اليومية المهولة الوافدة علينا جميعاً دون استثناء، ومردُّ المفاجأة إلى التحوّل السياسي الرهيب الحاصل على المستوى العربي، منذ بداية ما يعرف "بالربيع العربي" وما حمله معه هذا "الربيع" من تغيرات وتحوّلات عسيرة على الفهم والهضم في معظمها. وهكذا ظننت أن تكون حصة الأسد من الأفكار والنصوص، في هذه المجموعة، للسياسة والخيبات السياسية العربية المتلاحقة. 

لكن كيوان عاين مواضيع وأفكاراً تؤرق بال المواطن العربي في فلسطين يومياً، وتهدّد أمنه واستقراره دون هوادة، نذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر، عودة ظاهرة الإيمان بالخرافات (المشايخ)، العنف وحيازة السلاح، وسائل التواصل الاجتماعي، هدم البيوت، العلاقات الاجتماعية المشوّهة وصلة الرحم المقطوعة، الجنس، التراث وغيرها الكثير. 

رغم سيطرة هذه المواضيع والأفكار على المجموعة، إلا أن ّ الكاتب يشير في بعض النصوص إلى الحالة السياسية المحلية والعربية في إشارات سريعة لا تحتلّ حيّزا يجعلها تنافس العناوين السابقة حضورا. 

ولم يكن هذا التغييب أو شبه التغييب، إن صحّ التعبير، للحالة السياسية وهي في أوج تحوّلاتها المصيرية، اعتباطياً غير مقصود من قبل الكاتب بأيّ حال من الأحوال. فهو بذلك يصرّح أنّ هذا الالتفات اتهام للحالة السياسية في المقام الأول. اتهام بعبثية الحالة السياسية وتشوّهها وإمعانها في الظلم والتدمير، ومناصرة الظالم، وتكريس الظلم على المسحوق والمظلوم، فيكون التحوّل لغيرها تصريحاً برفضها ومعارضتها، وهو اتهام كذلك لأنّ معاينة هذه "اليوميات" بأدق تفاصيلها وتجاوزاتها، على نحو ما نرى في نصوص هذه المجموعة، دليل على أنّها (اليوميات) نتيجة لسبب، فما كان حال المجتمع ليشهد هذه الحالة من التردي والتراجع، لولا الممارسة السياسية الغرائبية والمنحازة دوماً. وهكذا يكون الكاتب قد ألزم نفسه بشروط المعادلة السابقة كاملة وعلى المستويين المباشر وغير المباشر.

يحرص سهيل كيوان في هذه المجموعة بصفة خاصة، على توثيق التراث. يستعرض بعضاً من مكوّنات هذا التراث، ليعارضها حيناً وليؤكّد على أهميتها وضرورة حمايتها حينا آخر.

هي عملية "غربلة" يراها الكاتب ضرورية لهذا الموروث، في سبيل صلاح أمرنا وصلاح مجتمعنا، مثل عادة عيادة المريض وأكوام الحلويات التي تتكدّس عنده! في قصة "لا رحمة لملائكة الرحمة".

ما يؤكّد عليه الكاتب ويسعى إلى توثيقه لأهميته ودوره في الحكاية والوجود الفلسطينيين، هو كلّ ما يتعلق بعالم الطبيعة والأزهار والنباتات، كما يفصلها الكاتب في قصة "تينات القنيطرة". إضافة إلى تأكيد بعض من المصطلحات الزراعية – الفلاحية التي يتهدّدها الانقراض والزوال، كالتيّانة والمُسطاح، الواردة في القصة السابقة. كما يذكر بعض الأدوات التراثية التي يفتخر بها كلّ فلسطيني وفلاح في بلادنا، كطقم القهوة السّادة النحاسيّ، الذي انحصر حضوره في مناسبات وجغرافيا محدودة تماماً، كما هو الحال في قصة "قهوة مُرّة .. جدا مُرّة".

 يساهم كيوان في هذا الجانب بمشروع حماية التراث والموروث الشعبي من الانقراض والزوال، "المشروع" الذي بدأه الجيل الأول من كتاب أدب الأقلية الفلسطينية في بلادنا، كإميل حبيبي، محمّد علي طه ومحمّد نفّاع.

اللغة عندما تكون ساخرة


لا شكّ أنّ السخرية عند سهيل كيوان واعية ومرنة وقادرة على استيعاب جملة من التقنيات الأدبية التي تقوم عليها السخرية (كالمفارقة والجروتيسك والنكتة والمبالغة، وغيرها الكثير، وهو ما جئنا على ذكره أكثر في مناقشة لظاهرة السخرية في الأدب، كما تبيّن هذه النصوص أنّ المقدرة على السخرية عند الكاتب نفسه تشهد حالة من التطوّر من مجموعة إلى أخرى، وهكذا تكون الكتابة الساخرة عند سهيل كيوان في مسارها الصحيح نحو النضج والاكتمال. والحقيقة أن مشروع سهيل كيوان الساخر هذا يحتاج إلى دراسة أكاديمية أعمق وأشمل، متأنية أكثر، تعطي كلّ مستوى حقّه الكامل في النقاش، وهو ما نطمح إليه في قادم الأيام إن شاء الله.

ولما كانت هذه القراءة سريعة بطبيعتها لنصوص هذه المجموعة، ارتأيت أنّ أقف عند اللغة وسخريتها في هذه المجموعة بصفة خاصة، لأنّها من المستويات أو الجوانب الرئيسة التي تقوم عليها الساخرة عموماً، وتؤكّد حالة التطوّر في الكتابة الساخرة، على نحو ما أشرنا سابقا، عند كيوان مقارنة مع مجموعاته السابقة.

يعتمد كيوان في هذه المجموعة، جملة من التقنيات التي تجعل من اللغة مرنة ساخرة إلى أبعد حدّ. ومنها، اللغة المحكية وتفصيحها، والمفارقة، ولا يهمل الكاتب قدرة العناوين النصّية والدلالية، فيطعّم اللغة في بعضها بسياق محكيّ لتضاعف من ممارستها الإغوائية على القارئ وتورّطه حتى النخاع، فاللغة في محكيتها أكثر صدقاً وعمقاً وقرباً من الواقع والقارئ على حدّ سواء. ولا انتقاص من قيمة النصّ واللغة الأدبية، عند استبدال بعض السياقات بكلام محكيّ. بل يغدو هذا "الاستبدال" مهضوماً مستساغاً لأنّه يخاطب مشاعر القارئ مباشرة. 

واللغة في "طبيعتها" ومحكيتها عفوية مباشرة، تؤدي المعنى دفعة واحدة، وتكون مفعمة بمستواها النفسي الصادق الذي يضاعف من دلالتها وقيمتها. عنوان النصّ الأول في المجموعة " يا ريتني ظليت مربوط" خير مثال على ما تقدّم. العنوان لغته محكية خالصة، قراءة العنوان بهذه المستوى المحكي مشفوعاً بصيغة التمني فيه تخاطب المعنى تماماً، تلفظ العنوان بطريقة تستشعر من خلالها ألم الشخصية ووجعها، وهو ما يصعب أن يتحقق في المستوى الفصيح من اللغة، خاصة عندما يخالف التمني المتوقع والمألوف، ليحقّق بذلك مفارقة واضحة، تساهم مساهمة جادة في تعزيز الجانب الساخر عموماً. 

التمني والطلب يخوضان في الإيجاب أكثر من السلب، فعندما يتمنى الراوي أن يبقى مربوطاً، فهو ما لا يستقيم مع المنطق البشري السويّ، يكون التمني عادة في الناقص والغائب والمأمول، والذي يفترض أنّه نافع ومجدٍ لتعويض هذا النقص، ولا يكون في السلبي الذي "يورّط" الفرد أكثر مما يساعد في خلاصه. ولما كان العنوان مفارقا إلى هذا الحدّ ومحكيا إلى حدّ الضحك، كانت العدوى أكبر، وكان الاستفزاز مفروغا منه.

تغوص عناوين أخرى في هذه المجموعة وتتجاوز الحدّ المعهود والمتبع في الواقع. عنوان "فتاوي الشيخ زفت" (ص:18). كلمة "زفت" المحكية والتي تعني السيء والفاسد والمضرّ في هذا السياق، تكتسب دلالة مغايرة ومعارضة في آن معاً، عندما تكون هذه الكلمة تابعة لكلمة تسبقها: "الشيخ"، وهي الكلمة التي تدلّ على شخصية دينيّة تفرض عادة احترام العامة، ولكن كيوان لا يتوانى عن التصريح بمثل هذه النعوت الإشكالية في هذا السياق تحديداً، لأنّ دافعه لم يكن المعارضة من أجل المعارضة لرجال والدين وما يمثّلونه فقط، وكأنه بذلك ينادي بنقيض الطرح الديني أو الخطاب الديني، بل أن معارضته كانت لأولئك الذين يمتهنون الفتوى بغير وجه حقّ ولا معرفة، وبعد ركعتين اثنتين فقط، ولا ينتهي الأمر عند هذا الحدّ، بل يتعدونها لتحرير شهادات الكفر والإيمان وما يجوز "شرعا" وما لا يجوز، غبر آبهين بما قد يؤول إليه موقفهم المتزمت هذا. 

كيوان في هذه الحالة يعارض ويسخر من الممارسة العبثية غير المفهومة، وظاهرة التديّن والفتوى دون علم، التي تزداد يوماً عن يوم في المجتمع، والتي تخلط الحابل بالنابل، وتهدّد بتشويه الكثير من المفاهيم والمعايير الاجتماعية التي تحكم علاقات الأفراد في المجتمع، والتي لا تعارض الدين بأي حال من الأحوال، ولا يتهم أو يسخر من الشيخ لشخصه أو انتمائه، إنما مَن يدعي المعرفة دون رصيد ودراية، إضافة إلى عناوين أخرى تؤدي، في مستواها المحكيّ، دورها في الإغواء والجذب. بعضها مألوف "مأنوس" في الواقع المحكي، ولكن عندما تتصدر النصّ كعنوان، تكتسب دلالة مغايرة تقوم على السخرية أولا وأخيرا، كعنوان " مش هيك المزح" وعنوان " من تحت راس كلب" (ص: 168 / 202).

تفصيح العامية

 لعلّ من أبرز مقومات اللغة الساخرة وأكثرها شيوعا في الأدب الفلسطيني الساخر بصفة خاصة، هي ظاهرة تفصيح اللغة المحكية. وكأنّ اللهجة الفلسطينية في تنوّعها وغزارتها، تكتسب دلالة خاصة وبعداً أعمق عندما تلزم بقواعد الفصحى وضوابطها. وكأن القائل يحاول أن يقحم المفردة المحكية في الفصحى، مع إصرار المفردة على محكيتها بالمقابل. 

فهي بذلك تراوح بين المستويين المحكي والفصيح، دون أن تحسم لصالح واحد منهما بشكل قاطع. وفي هذه المراوغة تكمن الدلالة الساخرة، يكون وقعها عند المتلقي أكبر وأعمق، كأنّها محاولة لضبط المحكي بضوابط أكثر "اتزانا" ورصانة، فتغدو الصيغة الجديدة غريبة لا تقبل الضوابط النحوية ولا ترفضها في الوقت ذاته. 

وهذا المزج بين الغريب وغير المألوف في اللغة ممارسة ساخرة بامتياز، فالجمع بين المتنافرَين طالما شكّل (ويشكّل) جانبا هاماً تقوم عليه السخرية، تتمثّل في تقنية أدبية ساخرة بكلّ المقاييس، هي تقنية لجروتيسك، تماشيا مع "منطق" المزج السابق، فكأنّ التفصيح يقوم على المزج المشوّه أو المزج بين الأقطاب، كما هو الحال في الجروتيسك عموما. 

في قصة "عبد الودود في دولة اليهود"، يظهر الفعل "يتزعفل" كإشارة إلى تصرفات الأطفال عادة عند غضبهم، فيطرحون أنفسهم أرضا صارخين مولولين. الفعل المضارع أُلزم بوزن صرفي (تفعّل – يتفعّل)، وغالبا ما يكون التفصيح في الأفعال أكثر منها في الحروف (وهي الحالة البارزة عند الكاتب محمد نفّاع، وفي روايته الأخير "فاطمة" بصفة خاصة)، فالفعل يقوم على الحركة والفعل لا الثبات، كما هو الحال في الإسم. ضبط هذه الحركية بضوابط لغوية – صرفية يعطيها "شرعية" معينة في السياق الأدبي من ناحية، دون أن يلغي المستوى المحكي فيها من ناحية ثانية، مما يجعل من الصيغة "الممزوجة" الجديدة، ساخرة على نحو ما أشرنا سابقا.

 لم يختر كيوان هذه الصيغة لغرابتها بقدر ما كان الاختيار ليقينه بالقدرة الدلالية – الساخرة الكامنة فيها، فهي الأقدر على التعبير عن حالة عبد الودود، الطفل الذي يصرّ على معرفة سبب تعامل الآخرين على هذا النحو من التهميش والرفض. يعتمد الكاتب في موضع آخر اسماً محكيا (البحلقة) في قصة "ذهول المساحة"، كإشارة إلى الإمعان في النظر، مع تعريف الإسم "بأل التعريف" التي تكسبه صبغة محكية مع الحفاظ على المضمون المحكيّ، ومثلها، في القصة نفسها، "سيهجم التين" مع حرف الاستقبال "السين" الذي يكسبه الصيغة الفصيحة، فالسياق (التين) الذي يُذكر فيه الفعل، يؤكّد محكية الفعل كإشارة إلى وفرة المحصول. يعود كيوان في قصة" مأساة سيدة كانت جميلة" إلى الفعل المضارع المضبوط بقواعد النحو الخاصة بالفعل المضارع، كالفعل "ينطنط" (حرف المضارعة الياء في بداية المضارع)، باعتبار أنّ المحكية في بلادنا عموما تلفظ الباء كحرف المضارع للإشارة إلى صيغة الغائب (هو)، إضافة إلى فعل آخر "يفنطزون"، في قصة "الرفاق يكذبون"، الذي ألزم بقواعد المضارع كاملة (حرف المضارعة، الضمير المتصل، ثبوت النون علامة الرفع في الأفعال الخمسة)، يُشار في الوقت ذاته، إلى أنّ الفعل ليس عربياً في الأساس، فجاءت السخرية مضاعفة دون شكّ (وقد سبق كيوان إلى هذه الصيغة من تفصيح الأفعال أو الأسماء غير العربية كترسيخ للدلالة الساخرة، الكاتب إميل حبيبي في روايته المتشائل). 

يأتي هذا الضبط لأفعال وأسماء محكية بقواعد الفصحى، لمنحها شرعية في السياق الساخر بصفة خاصة، وليتحقّق المزج الغريب بين المتنافرَين لتأكيد المعنى الساخر كذلك. هذا "التشويه" المرتكب بحقّ الأفعال والأسماء واللغة عموما، لا يعدّ تجنيّا عليها ولا إساءه لمكانتها، بقدر ما يرسّخ الواقع المشوّه والتردي الذي لم يسلم منه شيء حتى اللغة، فكان هذا التفصيح عوناً للكاتب في اتهام الواقع وفضحه إلى أبعد حدّ! كما اهتم كيوان، بتفصيح التعابير والأمثلة الشعبية المألوفة، يكون التفصيح، في هذه الحالة، لكلمة واحدة أو اثنتين من التعبير أو المثل، مما يُكسب التعبير نغمة فصيحة مع الحفاظ على المضمون والسياق المحكيين. مثاله في قصة " يا ريتني ظليت مربوط" (بأن القطة تأكل عشاءه)، بمعنى أنّه ساذج ومسالم إلى أبعد حدّ. فصّح الكاتب الفعل "تأكل" ("توكل" في المحكية عادة) إضافة إلى "عشاءه" (مع الهمزة والضمير، في حين تلفظ دون الهمزة في المحكية، "عشاه"). التعبير الآخر يُذكر في قصة "مأساة سيدة كانت جميلة" (وصارت عينه تلعب خارج البيت والأسرة)، الشقّ الثاني من التعبير (أو جزء منه) هو المقصود بالتفصيح، فاستبدل الكاتب (برّه) المحكية ب (خارج) الفصيحة، إضافة إلى كلمة (الأسرة). 

لكن في هذا التعبير بصفة خاصة يضاعف الفعل (تلعب) من المستوى الساخر لهذا السياق، من خلال المفارقة التي يحدثها الفعل، فليس اللعب الحرفي المألوف هو المقصود، إنّما البحث عن بديل أنثوي بعد أن ضاقت به الحياة في البيت. ولا تختلف التعابير والمفردات في مسوّغ التوظيف وفي دورهما في السياق الساخر، على نحو ما أشرنا إليه سابقا.

شهادة أخيرة

من المؤكّد أنّ ما قيل في هذه المجموعة أكثير بكثير ما كُتب في الصفحات السابقة، كما لا يمكن حصر المواضيع التي توفّرها المجموعة للنقاش والبحث في تلك التي أشرنا أليها في هذه القراءة "السريعة"، التي حاولنا من خلالها أن نسلط الضوء على جوانب نراه هامة وتخصّ مجال بحثنا ودراساتنا عموما، كالجانب الساخر. مع التأكيد على ضرورة مواصلة النقد والبحث في أدب كيوان بصفة خاصة، وأدبنا المحلي بصفة عامة، لأنّ الكاتب يؤسس لمشروع كتابة ساخرة أثبتت حضورها البارز في المشهد الأدبي السردي المحلي بكلّ جدارة واستحقاق، وبدأت تشق طريقها بثبات في المشهد السردي الفلسطيني والعربي على حدّ سواء.