كنوز نت نشر بـ 04/07/2018 12:20 pm  


"بعدها الدنيا بخير"


انطباعات حول المعرض الإستعادي للفنان الفلسطينيّ سمير سلامة.

 بقلم : المحامي حسن عبادي 


دعاني أخي د. يوسف عراقي المغترب عن حيفاه منذ النكبة لأشارك يوم الأربعاء 27.06.2018 حفل افتتاح المعرض الاستعاديّ الأوّل لصديقه الفنان سمير سلامة في غاليري "وان" في رام الله، تردّدت في بادئ الأمر لانشغالاتي في منتصف الأسبوع، إلّا أنّي تحقيقًا لرغبته قرّرت المشاركة، ولم أندم!

لم يكن معرضًا عاديًّا كباقي المعارض، بل كان عرضًا لتاريخ وحياة الفنّان وحياته لعشرات السنين، جمعت لوحات البورتريه -رسم الوجوه- ولوحات عاديّة ومجسّمات بألوان مائيّة وزيتيّة وإكليريك. وقد لفت انتباهي مرافقة افتتاح المعرض بكتالوج/كتاب راقٍ، مهنيّ التصميم، غلافه لوحة تجريديّة بريشته تعلن هويّته. كما يشمل أعمالًا للفنّان في مجال الفنّ التشكيليّ، ويجسّد تطوّر أسلوبه ويلخّص الدوافع الفنيّة النابعة من التحدّي الحضاريّ الذي نعيشه، ليمسي مصدرًا للتعلّم والتجربة والتاريخ.

يستعرض المعرض تجربة الفنّان وتطوّراته الفنيّة منذ اللجوء والمنفى القسري إثر النكبة. حيث غادر سمير مدينته صفد عندما كان في الرابعة من عمره، عام 1948 مع أفراد عائلته تحت تهديد الترحيل القسريّ في زمن النكبة. نجح سمير في انتزاع حقّه المدنيّ بتثبيت مسقط رأسه على الورق الرسميّ الذي يثبت شخصيّته حين أصرّ على كتابة صفد الفلسطينيّة فوق جواز سفره الفرنسيّ، بعد أن لجأ للقضاء، ليحظى بالهويّة الحقيقيّة لمدينته في ورقة رسمية أجنبيّة يتيمة كشفت حجم التنكّر لفلسطينه.

عرفني سمير حين دخلت صالة العرض من خلال صور زوّده بها أخي يوسف وناداني، كان جالسًا على مقعد متحرّك وفي فتحتي خيشومه أنبوبا أكسجين، وجهاز التنفّس المتنقّل مربوطً بأنفيه على الدوام، هازمًا السرطان اللعين والموت، وعيناه تشعّان حياة وأملًا وإصرارًا لمن يحبّ الحياة، فعانقته عناق الأخوة، عناق أخوة من جناحيّ الوطن السليب، لأنّ على هذه الأرض من يسحق الحياة... ومن يستحقّها. ثمّ تجوّلت معه بين اللوحات المعلّقة على جدران صالة العرض.

تروي لوحات سمير قصّة شعب بناسِه ومدنِه، قصّة فنّان مرهف الحسّ، رغم تقلّبات الظروف السياسيّة والاجتماعيّة وتأثيرها عليه ليترك بصمته المميّزة، فليلعن العتمة ويعلن بزوغ الضوء والأمل من رحم المعاناة.

 شارك سمير في عشرات المعارض، وله مئات الأعمال واللوحات نتاج عشرات السنين، ممّا صعّب عمل الفنّان خالد حوراني - قيّم المعرض- ورغم ذلك برع في خلق معرض خاصّ ومميّز يليق بسمير ومسيرته ونجح في إيصال الرسالة على أتم وجه.

 لفتت انتباهي وجذبتني لوحات وأعمال الفنّان المميّزة، أسلوبًا ومضمونًا، والتي تؤكّد ارتباطه بقضيّته الفلسطينيّة بعُقدِها، محافظًا على إنسانيّته وحبّه للخير والحياة والإنسان، معلنةً عن صاحبها بأنّه أحد أيقونات الفنّ الفلسطينيّ.

وجدت في لوحاته المؤثّرة نوعًا من التحدّي والرسالة، كلّ منها تختلف عن الأخرى، يحمل النكبة على كاهله ويحلّق بعيدًا في عالم الفنّ كي لا يُثقل على أحد، يصوّر بريشته معاناة شعبه ويحكي حكايته، بوقار شيخ صوفيّ، بعطاء فنّي مستمرّ... يصرخ صرخته لأخيه وللعالم: "لنا عودة"!
فصدق من سمّاه "بابا نويل الفنّ الفلسطينيّ"..

رسم سمير بريشته مدينة درعا وأهلها، دمشق القديمة، حُماة القرية، باتّجاه الظلّ، القدس ومعالمها وشبابيكها، عين كارم، أريحا وضواحيها، بيت لحم وسِحرها، البحر الميّت، الناصرة والجليل، وكلّ فلسطين.

ومن الجدير بالذكر أنّ المعرض سيستمر حتّى 15 آب 2018 في غاليري "وان" وغاليري "زاوية" في رام الله، غاليري "باب الدير" في بيت لحم، وفي حوش الفنّ الفلسطينيّ في القدس.


ملاحظة لا بدّ منها؛ أمقت ظاهرة التقاط الصور مع المشاهير، ولكن هذه المرّة وجدت نفسي واقفًا في طابور طويل مع العشرات من مختلف الأجيال الذين حضروا خصّيصًا لحفل الافتتاح.

نعم "بعدها الدنيا بخير"، لأنّنا شعب يستحق الحياة!