كنوز نت نشر بـ 29/05/2018 03:40 pm  


"فيضي يا دنان الخمر فيضي"


بقلم : المحامي حسن عبادي


 رنّ هاتفه المنزليّ الساعة الثالثة صباحًا على غير عادة، أخبرته سعاد باكية بأنّهم اعتقلوا خطيبها. هدّأ من روعها واتّفقا أن تلتقيه في مكتبه الساعة الثامنة. 

في تلك الساعة مثلت في المكتب، كان باديًا عليها أنّها لم تذق طعم النوم تلك الليلة، سألها عن سبب اعتقال توفيق فأخبرته أنّه تمّ اعتقاله لحظة هبوط الطائرة التي أقلّته من إيطاليا إلى البلاد لقضاء إجازته الصيفيّة بين أهله في بلدته.

حدّثته عن تعارفهما خلال نشاط طلّابي في جامعة بولونيا الإيطاليّة حيث يدرس الطبّ، كانت هي ناشطة طلابيّة سياسيّة وسجينة أمنيّة سابقة في السجون الإسرائيليّة، سافرت إلى إيطاليا لدراسة القانون وهناك التقت به، ساعدته على التأقلم وفتحت له الأبواب، كان يصغرها بخمس سنوات، إذ أنهى دراسته الثانويّة في قريته ثم سافر إلى إيطاليا ليتعلّم الطب بناء على رغبة العائلة، كان لا يزال صغيرًا، لم ير من الحياة شيئًا ولم يعاركها، فكانت ملاذه وتعلّق بها. أمّا هي فقد أحبّته وفكّرت بمشروع زواج.

اتّصل المحامي بشرطة المطار وعلم أنّه محتجز في محطّة شرطة "مسغاف"، استفسر عن سرّ احتجازه فقيل له: "تهمة أمنيّة"! فتوجّه للتوّ إلى هناك للقائه. لم يسمع ب"مسغاف" من قبل ولم يزُرها. 

حين اقترب منها وجدها بلدةً وهميّة، مُقامَة على أراضي قرية ميعار المهجّرة، أُنشأت بعد يوم الأرض الخالد بهدف السيطرة على الأرض ومنع التواصل الجغرافيّ بين البلدات العربيّة بنِيّة تهويد الجليل.

عرف ميعار من حكايات زملائه في الجامعة، من مهجّريها والقرى المجاورة، ومن خلال قراءته لمجموعة الكاتب محمّد عليّ طه "عائد الميعاري يبيع المناقيش في تلّ الزعتر". اشتهرت بزيتونها، معاصرها وصهاريجها، ومواقعها الأثريّة كخربة رأس الزيتون، وخربة الجميجمة، تشتّت أهلها في القرى والبلدات المجاورة، استقرَّ قسم كبير منهم في قرى ومدن كابول، سخنين، شعب، عرابة، طمرة، المكر، شفا عمرو، حيفا والناصرة، ونزح القسم الأكبر إلى لبنان وسورية. 

تمّ بناء ثلاث مستعمرات على أراضيها هي: "سيغف" و"ياعد" و"منوف"، هُدمت القرية، ومُحيت آثار بيوتها، وبقي من آثارها مقبرتان، وبعض أشجار التين والزيتون والصبّار.

بعد انتظار طال بضع ساعات لم يُسمح له بمقابلة توفيق أو حتّى رؤيته، تبيّن له لاحقًا أنّهم اقتادوه إلى محكمة الصلح في عكا لتمديد اعتقاله. أسرع إلى عكا وحاول لقاء موكّله لكنّه قوبل بالرفض، إذ استصدرت الشرطة أمرًا يمنع توفيق لقاء محاميه، وفي قاعة المحكمة جرت جلسة صُوريّة، أقرّت تمديد اعتقاله لمدّة خمسة عشر يومًا.

بعد جلسة المحكمة سافر إلى عرابّة البطّوف للقاء عائلة توفيق، تبيّن له أنّ أم توفيق من ميعار المهجّرة، وللعائلة ثمانية أولاد، توفيق أكبرهم. الوالدة ربّة منزل، والوالد يعمل في حقله؛ أرض ورثها عن أجداده، يعيل عائلته ويؤمِّن دراسة توفيق الجامعيّة في إيطاليا.

شعر المحامي بثقل المسؤوليّة والالتزام تجاه توفيق وعائلته، فجنّد كلّ طاقاته وطاقم مكتبه ولاحَق القضيّة بدءًا من الاعتقال إلى أروقة المحاكم؛ من محكمة الصلح فالمركزيّة ولاحقًا العليا. ومع اقتراب افتتاح السنة الدراسيّة، وبعد صراع مرير خلال تسعة وأربعين يومًا، شملت أحد عشر لقاءً وسبع جلسات في المحاكم، أُطلق سراح توفيق وصار بإمكانه مغادرة البلاد لمتابعة دراسته، مكث في حضن العائلة ليلة واحدة، ورافقه محاميه إلى المطار للتأكّد من عدم عرقلة سفره.


مرّ أسبوعان فاتّصل حسين بسعاد لتسديد أمر أتعابه وأجرته فأجابته باكية: "تركني الكلب، كِنّه بيِشتغل مع الجماعة!".

بعد سنتين، سافر حسين لقضاء إجازة في إيطاليا خلال فترة عيد الميلاد ورأس السنة. وذات ليلة سهر مع عدد من الأقارب والأصدقاء في حانة شعبيّة في بلدة بادوفا الوادعة في شمال إيطاليا، وبعد عدّة دِنان من النبيذ المحليّ، وجدلٍ حول عادات شرب النبيذ، وصولًا إلى الأعشى وأبياته:
             
"وإذا الدَنُّ شرِبنا صفوهُ أمَروا عمرا فناجوه بِدَن
      بِمَتاليفَ أهانوا مالَهُم لغِناءٍ ولِلِعبٍ وأَذَن
      فَتَرى إبريقَهُم مستَرعِفًا بِشَمولٍ صفِّقت مِن ماءِ شَن"

 أطلّت الساقية وفي يدها زجاجة نبيذ أحمر من النوع الفاخر، ممّا أثار استهجان حسين، فأخبرها بأنّه لم يطلب الزجاجة! أجابته باللغة الإيطاليّة التي لم يفهمها، والتي ترجمها له صهره بأنّها مُقدّمَة من صاحب الحانة. بعد دقائق أطلّ توفيق مبتسمًا، وبعد عناق وحديث قال لحسين: هناك سؤال يُحيّرني، رافقتني تسعة وأربعين يومًا ولم تسألني في حينه: "هل أنا مُنظّم فعلًا أم لا؟".

تعكّر مزاج حسين وانتقل إلى حانة أخرى، صرخ صرخة الشاعر عبد الأمير الحصيري "فيضي يا دنان الخمر فيضي" وشرب حتّى الثمالة...
                                                           
المحامي حسن عبادي