كنوز نت نشر بـ 06/05/2018 09:16 am  

عربي بوست، ترجمة



مَن رفضوا أفكاره يجدون فيها الحلَّ الآن، بينما مؤيدوه تخلوا عنها..

 تراث كارل ماركس يثير الجدل وكذلك تمثاله!



وقف كارل ماركس على مدى سنوات الحرب الباردة شامخاً وسط مدينة نويبراندنبورغ، التي تعد نموذجاً للاشتراكية في شمال غربي ألمانيا، وذلك في هيئة تمثال من البرونز ارتفاعه 2.2 متر، صنعه النحات غيرهارد ثيم عام 1969، يُصوِّر المفكر ذا اللحية الكثة وهو يقف في مواجهة الغرب الرأسمالي وعلى وجهه زمجرةٌ غاضبة. 

 وفي الوقت الذي تتدفق فيه شخصياتٌ بارزة من أنحاء العالم إلى مدينة ترير، مسقط رأس الفيلسوف والاقتصادي والثوري الألماني في ذكرى ميلاده المائتين، سيوجِّه تمثال ماركس في نويبراندنبورغ زمجرته فقط إلى سقف مستودع على أطراف المدينة، بحسب تقرير لصحيفة The Guardian البريطانية. ومنذ سقوط حائط برلين، أصبح ميدان كارل ماركس في نويبراندنبورغ يُعرَف باسم ميدان السوق. ويقف الآن في البقعة التي كانت مُخصصةً سابقاً للرجل صاحب نظرية "تقديس السلعة"، مركزٌ تجاري لبيع الثلاجات والأحذية الرياضية وحمالات الصدر بالتجزئة. 

 ماركس، المفكر صاحب المفهوم الواضح حول التقارب بين التراجيديا والهزلية، ربما كان ليُقدِّر جيداً الموقف المرتبك الذي أصبحت عليه أرض ميلاده: فبينما تسعى بنشاط ما كانت في الماضي ألمانيا الغربية الرأسمالية لإحياء أفكاره، فإنَّ النصف الآخر، الذي حاول في الماضي على مدى أربعة عقود تطبيق أفكار ماركس، أصبح ينأى بنفسه عنها. ومن المقرر أن يُلقي سياسيون، منهم رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، وزعيمة الحزب الديمقراطي الاجتماعي أندريا ناليس، كلمةً في مدينة ترير جنوب غربي ألمانيا، من أمام تمثال طوله 5.5 متر لم يُزح الستار عنه بعد، أهدته الحكومة الصينية لألمانيا، وحظي بالترحيب حتى من جانب أعضاء من الاتحاد الديمقراطي المسيحي اليميني الوسطي الذي ترأسه أنجيلا ميركل. 

 وقال فولفرام ليبي، عمدة مدينة ترير، المُنتَمي للحزب الديمقراطي الاجتماعي: "منذ 30 عاماً مضت لم يكن ليكون مثل هذا التمثال ممكناً. 

لكن اليوم مع الابتعاد أكثر عن الاشتراكية التي تبنتها جمهورية ألمانيا الديمقراطية (ألمانيا الشرقية)، أصبح الوقت مناسباً للانخراط مع ماركس بهذه الصورة أيضاً". "رأس المال" يتصدر قائمة الكتب وبحسب الصحيفة البريطانية، عاد كتاب كارل ماركس "رأس المال" ليتصدّر قائمة أفضل الكتب مبيعاً، إضافةً إلى مجموعة كبيرة من السير الذاتية والمسلسلات التلفزيونية التي تحتفي بملائمة أفكاره للوضع الحالي.

 وحتى صحيفة فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ ذات التوجه اليميني الوسطي التي تفضلها الطبقة الوسطى، وضعت صورة ماركس على الصفحة الأولى في عددها، يوم الأحد الماضي، وتركت كُتابها يختارون أجزاءهم المفضلة من أعماله الكاملة. 

 وقال توماس ستاينفيلد، وهو محرر سابق في قسم التعليقات في صحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" الألمانية، ومؤلف كتاب صدر حديثاً حول فلسفة ماركس: "هناك محاولات نشطة لإعادة إحياء أفكار ماركس منذ الأزمة الاقتصادية عام 2008. لم يتمكن الاقتصاديون في صفحات الأعمال من تفسير السوق إلا في صورة نظام ناجح، غير أنَّ الأزمة أجبرتنا على مواجهة البديل الذي طرحه ماركس: ماذا لو أنَّ الأسواق تحمل في ثناياها كوارث؟".

 وتابع ستاينفيلد: "نعيش في عصر يماثل في زيفه العصور الوسطى، غير أنَّنا الآن نُعرِّف أنفسنا من خلال العلاقات الرأسمالية وليس من خلال نظام سماوي. 


والعودة لماركس تسمح لنا بفهم هذا الوضع من خارجه"، بحسب الصحيفة البريطانية. خلاف بسبب التمثال ومن جانبه، قال ديتير كوفاليك، السياسي المحلي في حزب "داي لينك" اليساري في ولاية مكلنبورغ-فوربومرن: "حين يتعلق الأمر بقراءة (أعمال) ماركس، يتقدم الغرب الآن على الشرق". وقبل وقتٍ قليل من حلول ذكرى ميلاد ماركس، اقترح كوفاليك ورفاقه إعادة تنصيب تمثاله الموجود في مدينة نويبراندنبورغ مرةً أخرى. وبحسب الصحيفة البريطانية، لكن ثبت أنَّ مهمة إيجاد موقع ملائم لهذا الرمز مثيرةٌ للخلاف؛ إذ يرغب جناح اليسار في رؤية الفيلسوف خارج مكتبة المدينة، بينما يُصر أعضاء آخرون في مجلس الشيوخ على وضع التمثال خارج المبنى الذي كان سابقاً سجن ستاسي، لتذكير الناس بالمظالم التي ارتُكبت باسمه. 

 وجاء مقترح لتسوية هذا الخلاف من سلفيو فيت عمدة مدينة نويبراندنبورغ، وهو كوميدي سابق ورائد أعمال ترشَّح للمنصب مستقلاً: "ماذا لو أُعيد التمثال الذي صنعه ثيم إلى المدينة مع وضعه مستلقياً على ظهره؟ هل ماركس نائم؟ هل أُطيح به؟ أم يحتاج فقط إلى جهاز تنفس؟". لكن في نهاية الأمر، رفض الاقتراح حزب "داي لينك"، الذي يحظى بأغلبية المقاعد في مجلس الشيوخ. 

 وقال فيت من مكتبه في مبنى البلدية، وهو مبنى يعود لعهد ألمانيا الشرقية ويقع على طريقٍ دائري يُسمى فريدريك إنجلز: "إذا كنّا قد أعدنا (تمثال) ماركس لمكانه السابق دون تعليق، فلم يكن ليصبح لهذا أي معنى. احتجنا لمعلَم يُعبر عن بعض الشعور بعدم الراحة تجاه إرثه". 

 وفي الوقت الذي كان يُطل فيه وجه ماركس الملتحي من كل مكان في ألمانيا الشرقية، على حوائط الفصول الدراسية حين كان فيت شاباً، أو على الورقة النقدية لجمهورية ألمانيا الديمقراطية من فئة الـ100 مارك، كان الحزب الاشتراكي الحاكم يتعامل مع كتاباته على أنَّها علم أكثر منها نظرية ينخرطون فيها من منظورٍ نقدي. 

وتعرَّض كل من تشكَّك فيما إذا كانت جمهورية ألمانيا الديمقراطية تتوافق مع كتابات ماركس أم لا، ومنهم الكاتبان المنشقان روبرت هافمان ورودولف باهرو، إلى الفصل من الحزب أو الطرد من البلد. أفكار ماركس في الشرق والغرب وفي هذا الصدد، قالت كريستينا مورينا، وهي مؤرخة وُلِدَت في ألمانيا الشرقية، ويدرس كتابها الذي أصدرته مؤخراً بعنوان The Invention of Marxism الأشخاص الذين حولوا أفكار الفيلسوف ماركس إلى حركة سياسية: "كان ماركس موجوداً في كل مكان في الشرق، ومع ذلك، وللغرابة، شعر أغلب الناس أنَّهم لم يعرفوه حقاً. 

ما عرفه مواطنو جمهورية ألمانيا الديمقراطية عن ماركس كان من خلال الرؤية الصارمة للينين، وستالين، ورئيس ألمانيا الشرقية سابقاً فالتر أولبريخت". 

وتُلقي مورينا بالجزء الأكبر من اللوم في التجربة الماركسية المُستَبدة التي عايشتها ألمانيا الشرقية على مترجمي نظرياته، لكنَّها مع ذلك تقترح أنَّ النهج الحديث لإحياء أفكاره، الذي يقوم على الاختيار والدمج، يتجاوز الطموحات الطاغية لمفكري القرن التاسع عشر. 

 وأضافت مورينا: "كان هناك شيء من جنون العظمة، وقليل من الاستبدادية المأخوذة من الدولة البروسية، في رغبة ماركس في قراءة كافة أنواع المناهج العلمية والكتابة فيها"، بحسب الصحيفة البريطانية. وفي مدينة نويبراندنبورغ، التي كانت في وقتٍ ما تُدار وفقاً للمبادئ الماركسية الاقتصادية، يعتقد فيت أنَّ مدينته قد ازدهرت منذ خصخصة الأعمال التي كانت تديرها الدولة عقب سقوط حائط برلين. 

وأصبحت المدينة، التي تقع في واحدةٍ من أضعف الولايات الألمانية من حيث البنية التحتية، الأعلى قدرة على سداد الضرائب. ومع ذلك لا يتفق الجميع مع هذا، إذ يقول فيت: "لم نكن قط في وضعٍ اقتصادي أكثر استقراراً، وعلى الرغم من هذا يشتكي الكثير من الأشخاص من شعورهم بعدم الأمان. 

شعر مواطنو جمهورية ألمانيا الديمقراطية بأنَّ مجتمعهم مستقر، ولكن من حيث النظام لم تكن مستقرةً. والآن انقلب الحال". وقبل نهاية العام، سيتمكن مواطنو مدينة نويبراندنبورغ من استشارة ماركس مرةً أخرى حول إجاباته لهذه المعضلة؛ فعقب ساعاتٍ من جدالٍ شرس، وافق العمدة أخيراً على أن يُعرَض التمثال مجدداً منتصباً عام 2018، كجزءٍ من المجموعة الفنية للمدينة.