كنوز نت نشر بـ 03/05/2018 01:42 pm  


إطلاق النار على مواطنين من غزّة والخوف من الأيدي الفارغة


بقلم : يوسي كلاين هآرتس،2.5.2018 ترجمة: أمين خيرالدين 


 لن أجرب ذلك، لكنني أتخيّل أنه ليس من السهل أن تقتل شخصا لا يُهدّد حياتك. أن تقتل مواطنين وأطفالا مسلّحين بالحجارة ليس مجرّد أمْرٍ معقّد، إنه جريمة قَتْل، وجريمة القتل ليست أمرا يُفْتَخَر به. الناطق بلسان جيش الدفاع الإسرائيلي لا يصوّر الذي يُطْلقون النار، ولن تقرأوا عنهم في ملحق أل - "7 أيّام" أو في "مُلْحق يوم الجمعة" ولن تَرَوْنَهم في مقابلة إعلاميّة.
     
 قبل أن يصلوا إلى غزّة كانوا أبناء صالحين. أبنائي وأبناؤك الصالحون، الأبناء المطيعون في البيت والذين تربَوْا على الأشياء الصحيحة. في غزّة نسّوا كلّ ذلك. في غزة ليس لهم أسماء. بغزّة يُعْرَفون ب "قوّات جيش الدفاع الإسرائيلي". هم شباب. لديهم ماض قصير وربما مستقبل زاهر، لكنهم لن يصلوا لهذا المستقبل الزاهر سالمين.
   
 لا يعرفون بأنهم أساؤوا. هذا نزيف داخلي، غير مرئي، ولا يُعالَج. نظرتهم لحياة البشر مُخْتَلّة. عندما سيتركون الجيش لن يتركوا هذا الاختلال في مخازنه. سيأخذونه معهم إلى العمل، والعائلة، وسيعربدون به على الشوارع. مّن يقتل متظاهرين عربا يتعلّم كيف يقتل متظاهرين يهودا. فقط يحتاجون للاقتناع بأن المتظاهرين أعداؤهم.
    
 لكن الشكّ سيَعذِّبهم. ولو مرّة، بعد أن يقتلوا خمسة ويجرحوا عشرة، سيسألون هل كان مبرِر لما فعلوا. وعندما لم يجدوا مبررا سيقولون لهم لا حاجة لذلك، التبرير هو تفسير بعد القيام بعمل نُفّذ بدون تفكير. الجندي الذي يبحث عن مبرر هو جندي مُصاب. والجندي الذي يقتل ويندم بعد ذلك هو جندي مُحقّر، يتعذب مخجول بفعلته، الخجل كحجارة ثقيلة بجيبه، والجندي الخجول بفعلته هو جندي غير صالح.
  
الجندي الذي يقتل مواطنين هو جندي غير صالح. الجندي الذي يعتقل طفلا عمره ثلاث سنوات هو جندي غير صالح. سيحمل هذا المنظر طيلة حياته. سيؤلمه هذا المنظر. نحن سننسى، أمّا هو فلن ينسى. لن يظهر وجهه في الصورة، لكن والديه وأصدقاؤه سيميّزونه، دائما سيذكرونه بالجندي الذي اعتقل الطفل ابن الثلاث سنوات، أو بالذي تلقّى صفعة من فتاة، أوبمَن اطلق النار عشوائيّا فاصاب وقتل.
   

سيرافقه الشعور بالحقارة. يستبدل قادته الخجل بالغضب، الغضب يلغي الخجل. الخجل يمنع والغضب يدفع. القتل سهل عند الغضب. عند الغضب يصبح المواطنون أعداء خطيرين. وإن كانت أياديهم فارغة، لكن نواياهم سيئة. هم "جماهير مُحَرّضة"، هم وحوش مُخيفة. من السهل إطلاق النار على الوحوش شريطة ألاّ تكون أياديهم فارغة. من المُفضّل لو أتوا مع مواد متفجرة لنفجرها وصواريخ قسّام لنسقطها. ليأتوا مع قنابل، وليس مع حجارة.
    
ليأتوا مع أشياء بأياديهم. الأيادي الفارغة تخيفنا. الأيادي الفارغة تسخر من الجنود بالملابس الواقية والقبعات الحديدية، تسخر من الطائرات والغوّاصات. الأيادي الفارغة تثير التساؤلات والشكوك. الأيادي الفارغة تثير الضحك من "أقليّة تقابل أكثرية". هناك قوانين وقواعد. وحسب هذه القواعد دائما هم يهدّدون ونحن ندافع. هم جوليات ونحن داود.
   
لكن الذين يطلقون النار بحاجة لتبرير. بدون تبرير لا تقوم حرب. نحن يجب أن نكون المُحقّين بدون شّكٍّ. " حاولت وحاولت ولم أستطع أن أجد بنفسي أيّ عيب ..."، هذا ما قالته غولدا مئير لحنان ليفين، "كل يوم يفاجئني من جديد. صادقة، صادقة، صادقة ومرّة أخرى صادقة. أقول لنفسي: ربما أخطأت في يوم ما .. لكن لاّ! استيقظ في الصباح، وإذا! أنا صادقة!".
    
نحن مجتمع عادل ومريض مع جهاز هضمي قوي. قتلنا 44 متظاهرا وبلعناهم، و– يمكننا أن نهضم 400 آخرين. والسؤال كم يجب أن نقتل لنتقيّء. نريدهم أن يعربدوا، ان يدخلوا ويهدّدوا. آخرما نحتاجه مواطنين مسالمين. لا نريدهم أن يتحولوا فجأة للمهاتما غاندي.
    
يمكن أن يكون أكثر خطرا من المهاتما غاندي، لنفرض أن أبا مازن أو مَشْعل اقترح استسلاما تامّا، تخيّلوا - استسلام بدون حقّ العودة واعتراف تامّ بدولة صهيونيّة كاملة. استسلام مقابل دولة ( كابوس. يهتز بدني لمجرّد الفكرة) ولنفرض أنه لم يُقْتل بأيدي أبناء شعبه. ماذا كنا فاعلين لو حصل هذا؟
    
أولا كنا سنتجاهل هذا. لعدم وجود خيار آخر، ولعدم وجود حلٍّ آخر وربما وبتعنّت وغمٍّ، كنا ( وحسب مصاد أجنبية) سنضطر لتصفية من يجب أن يُصفّى ونأمل أن لا يتذكر أحد اقتراحه. هل هذه لعبة كما أتخيلها؟ منذ 70 سنة ونحن نقول "إننا نصبو ونحنّ إلى السلام" وإذا لم تكن لعبة لا أعرف ما هي.