كنوز نت نشر بـ 29/04/2018 10:08 am  


قراءة نقدية لرواية "منفى الياسمين" للكاتبة د. عبلة الفاري بقلم د. صفا فرحات

منفى الياسمين للكاتبة د. عبلة الفاري 


بقلم : د. صفا فرحات


إنّ طريق منفى الياسمين، وعرةٌ شائكةٌ، هكذا تبدو للوهلةِ الأولى من القراءةِ الأولى، لكن، عندما نخوضُ بحارَها ونغوصُ في دواخِلِها ، وتتكشّف الأقنعة، ترانا أمام رواية ليست ككلّ الرّوايات، ولكنّها لا تخرج عن الإطار المرسوم لهذا الجنس الأدبيّ القديم الحديث.

لا ضير أن تبدأ الرواية، بتوطئة دالّة موجّهة، بيد أن تكون التّوطئة وفق الكاتبة، مبعثِرةً لكلّ أنساق الرّواية، تجبهنا بالتّشظّي والتشيّؤ، وتأخذنا إلى الانفلات من حواجز الإبداع الخانقة، لا بدّ حينها أن نقف وقفة الناّقد المتأنّي، لنرى إلى أيّ مدى كُسِرت الحواجز، أم أنّها اتّسعت وطالت، لتستوعب هذا الجنس الأدبيّ الزّئبقيّ دائم التّغيير والتّجديد، ما دامت الإنسانيّة تستنشق الفجر أمد الحياة.

وهنا لا بدّ من التّنويه، إلى أنّ العمليّة النّقديّة ليس من مهامّها إعطاءُ أحكامٍ نقديّةٍ صارمة، والبحثُ عن الحسنات والعيوب ، وإنّما عليها أن تأخذ أحكامها ووسائلها الإجرائيّة من خلال التّجربة الإبداعيّة، من منطلق أنّ لكلّ نصّ روائيّ منطقه الفنيّ وكيانه المستقلّ.

                        
نقف بعد الإهداء، أمام منهجيّة هي بحدّ ذاتها لا منهجيّة في خلق هذا الإبداع الرّوائيِّ، الّذي بزغ إلى النّور من خلال التّفككّ والتّشظّي، ومن خلال التّمرّد على كلّ الأنساق المعروفة في التّصدّي لهذا النّوع من الانواع الأدبيّة .

فتجبهنا الكاتبة بما يأتي:

لفخامتكم ، قرّائي، تمرّدي، على كلّ المذاهب والسّير والمدارس. بالطّريقة الّتي أردت، قد كتبت... نصّا من أزرقين طليقا بلا قيود. 

وهكذا جاء التّمرّد على كلّ المذاهب الأدبيّة وعلى مدارسها المختلفة، وأرخت عنان الكتابة، ليتدفّق من وحي الأزرقين،

وهنا لا بدّ من التّساؤل: هل نواجه عملا أدبيّا هلاميّا ، تصعب علينا لملمة أجزائه المتنافرة المتبعثرة، من منطلق كسر القيود والانفلات من حجر منهجيّات إبداع الرّواية؟ 

والإجابة في مجال الردّ عن هذا التساؤل بسيطة وواضحة، وتندرج ضمن انكفاء الأعمال الأدبيّة ضمن مخطّطات منهجيّة مرسومة، تضيق أحيانا وتتّسع في أحايين أخرى. 
                         
ونشير هنا، إلى أنّ الرّواية تشكّلت ضمن ثلاثة منهجيّات وسمتها بطابعها الخاصّ، ضمن توافقها مع الواقع المعيش في الفترة الزّمنيّة المحددّة.
                         
في المنهجيّة الأولى، نجد الرّواية التّقليديّة الّتي كانت وظيفتها الأولى متمثّلة بالوعظ والإرشاد والتّعليم ،وهذه الأفكار شبه الجاهزة، يمكن استنباطها بيسر وسهولة، كما يمكن التّحقّق من تراكم الأحداث الّتي ترتبط في ما بينها
                        
بالمصادفات أو القضاء والقدر، إضافة إلى القفزات عبر الأزمنة والأمكنة، وهذه كلّها مشدودة بخيوط يتحكّم بها راو عليم، يأبى في الغالب أن يتخفّى ، وإن غيّب نفسه، فتقوم شخصيّات الرّواية بنقل أفكاره بلغته هو المحمّلة بالتّقريريّة والمرصّعة بالبلاغة الشّكليّة.
                        
وفي إبحارنا بمنفى الياسمين، نلمح في بعض قسماتها رواية البدايات، فالصّدفة هي الّتي أبقت الحادي" العمّ الشّاذلي" الّذي له أبناء عمومة في هذه المنفى، والوحيد من بين النّازحين راكبي الحرّاقة، على قيد الحياة، الأمر الّذي سيأخذ بيد "حكم" لاستيعاب صدمة الغربة في أحضان عمومة الشّاذلي. والصّدفة هي الّتي ساقت الامرأة العجوز إلى حيث الفتى " حكم" ليتمّ التعارف بينهما، من خلال كلبيهما، وهذا التّعارف سيكون المحرّك الفاعل في نموّ الحبكة وبالتّالي في تطوّر شخصيّة الفتى "حكم" فاقد الإرادة بداية إلى المتحكّم في مصيره، في نهاية الرّواية.
                        
والقضاء والقدر هو من أفقد "حكم" ذاكرته لتكون ممرّضته من أصول عربيّة، لتأويه في بيتها إلى أن تعود الذّاكرة الّتي لم تعد إلاّ بعد سجنه، إثر تفجير اتّهم بارتكابه لملامحه الشّرقيّة، لماذا تواجد "حكم" في مكان الانفجار وهو بعيد عن مكان عمله، وبدون أوراقه الثّبوتيّة، لا شكّ في أنّ اختلاق الحادثة كان بقصد دفع الأحداث خطوة إضافيّة في تسلسل مجريات الأمور، ولتبرير عودة "حكم" إلى ذاكرته من خلال صدمة عنيفة تحقّق التّوازن المفقود، لكن ألم يكن من الأجدر أن تعود له الذّاكرة ، بعد أن اصطحبته فطيمة" الممرضّة، لحضور العرض الموسيقيّ الّذي يحييه صديقه الأوحد –في الوطن- حسن الأنمش، كان بإمكان الرعشة الإنفعاليّة الّتي انتابته بمجرّد لقائه، أن تعيد له الذّاكرة وهي أشدّ صدقا –فنيّا- من عودة هذه الذّاكرة نتيجة لتوقيفه بعد التّفجير. وهي نفس الصّدمة المبنيّة على الصّدفة الّتي أعادت النّطق إلى " شمس" أو ياسمين، عندما سقطت عن الدرّاجة النّارية الّتي كانت تستقلّها برفقة حكم.

                        
وفي منحى التّأكيد على ترسّم بعض خطوط الرّواية التّقليديّة في "منفى الياسمين"، يجبهنا صوت المؤلّف، وإن تخفّى كثيرا وراء شخصيّاته، من مثل ما دار في خلد "حكم" في استرجاع زمنيّ، عندما كان طفلا يجوب حقول المعلّم "خير الصّالح" فنقرأ صوت " عبلة" في مناجاته: لكنّ التّوبة غير واردة في ذهني، وما كان الرّدع إلاّ ليزيدني إصرارا، وكأنّ في الإصرار بعض الانتقام، أو إثبات للذّات رغما عن سطوة أصحاب القرار"(53).أو ما جاء على لسان" فرحان" وهو من الشّخصيّات الثّانويّة في الرّواية، في مجرى تهدئة" حكم" بعد انتحار أمّه: ألا تكفّ عن النّدب، أفجع المصائب هي من تصنع أعظم البدايات(65).

وفي انتقالنا إلى منهجيّة كتابة الرّواية الثّانية، نجدها قد قطعت شوطا متقدّما في فنيّة هذا النّوع الّذي أطلق عليه اسم الرّواية الحديثة، وهي دائمة السّعيّ في تجسيد رؤية فنيّة مغايرة للرّواية التّقليديّة ، وتعتمد على البناء الهندسيّ المتمثّل في البداية والذّروة والنّهاية، والتّفاعل بين الأحداث وبين نموّ الشّخصيّات وفقا لمبدأ العليّة، الأمر الّذي يفضي إلى المبنى المتماسك ، هذا إضافة إلى عناصر فنيّة هامّة أخرى تمثّل ركائز داعمة لترسيخ هذا النّوع.

وفي الغوص بروايتنا "منفى الياسمين" نجد اتّكاء الكاتبة على بعض أسس هذا النّوع، انطلاقا من التّدرّج الفنيّ في تطوّر الأحداث، المتمثّل في رحيل الفتى" حكم" بعد قتله لخير الصّالح إلى إيطاليا، لتنمو شخصيّته في ظلال السيّدة " جولييت" وبعد أن اشتدّ عوده بما لاقاه من ويلات، وبعد عودة الذّاكرة إليه، يقرّر العودة إلى الوطن، ليبدأ رحلة اكتشاف الذّات من خلال البحث عن بقايا أسرته، ليبدأ طريق الانحدار نحو النّهاية الّتي ينتصر فيها الحقّ والخير على كلّ أنواع الشّرور. ويطفو مبدأ العليّة ساطعا، بدءا من الدّافع لقتل "خير الصّالح" المستبدّ الّذي انتهك أعراض النّساء الجائعات إلى كسرة الخبز، فقتل أرواحهنّ قبل أجسادهنّ، وبعد انتحار أمّه يبدأ" حكم" بربط الأحداث وتحليلها ليصل إلى رأس الأفعى:.. لقد قلّبت كلّ الأسباب، وحلّلت كلّ الخطوات، وفردت المعطيات، ورأيت بأمّ عيني إزهاقه لروح سارة... ورحلت أمّي دون أن تروي لي التّفاصيل وحزني لفراقها قد شلّ دماغي فأعماني عن حقيقة أنّ هذا المجرم خير الصّالح هو السّبب وراء ابتلاعها لمبيد" الفنادول".
   
أمّا المنهجيّة الثّالثة في الإبداع الرّوائي فهي كسر للمألوف، لهذا أطلق عليها بعض النّقّاد رواية اللا رواية، لكنّ أستاذنا الدّكتور "شكري الماضي" يفضّل مصطلح الرّواية الجديدة الّتي تعبّر فنيّا عن حدّة الأزمات المصيريّة الّتي تواجه الإنسان.
                        
وقد جاءت هذه الرّواية نتيجة حتميّة لتشظّي المجتمع، ولتمزيق مرتكزاته، إضافة إلى فقدان التّوازن بين الإنسان وذاته، فكان لا بدّ من كسر الرّوابط المنطقيّة ليحلّ بدلا منها التّفكّك والتّفتّت وانعدام التّناغم. وتعتمد هذه الرّواية على تفجير الحبكة، وعلى الانحرافات السّرديّة، والانتقال في الأحداث عبر الأزمنة والأمكنة
                        
إضافة إلى اعتماد لغة متمرّدة، تكسر المألوف، لنصل في نهاية المطاف إلى رواية مهجّنة تستلهم كافّة المنهجيّات وترفضها في نفس الوقت، بتمزيقها وتفتيتها.
                        
وفي منفى الياسمين صدى لهذا التّمزّق في ركائز ومعتقدات المجتمع الّذي يعاني تحت أرزاء الظّلم الرّابض على صدره في مسعاه لتأمين لقمة العيش المغموسة بالذّلّ والعار. وما سارة إلاّ المثال كما أمّه ، إذ ردمت بحفرة كما الحيوانات النّافقة، وما زالت سارة وغيرها من السّارات يتهن في ظلمات ذلّ العيش بين خيالات من سراب العدل، في صحراء الزّمن الجائر.
                        
وفيها، أي، في منفى الياسمين، قفزات عبر الأزمنة، باستخدام الّتقنيّات الزّمنيّة من الاسترجاعات المكثّفة إلى الوقفات والفجوات والمشاهد الحواريّة الكاسرة للتعاقب الزّمنيّ، وقفزات في الحيّز المكاني الحاضن للمشاهد الحدثيّة، فيصبح هذا المكان فاعلا في تطوير الحدث السّرديّ، في تسلسله الزّمنيّ المتفجّر والمتشظّي، والملتحم مع الشّخصيّات المنفيّة الغريبة الّتي تمزّقها القيود البلهاء، على كافّة الصّعد المبلوِرة لماهيّة الإنسان في هذا الوجود.
                        
وهكذا تجبهنا الكاتبة ومن خلال الفصل الأوّل، بمشهد الرّحيل إلى المنفى القسريّ. وفي غمرة المصائب وعنت الأقدار في كسر العزائم يستذكر حكم" الشّخصيّة المركزيّة"، صديقه "حسن الأنمش" على الضّفّة الأخرى ليعيد له التّوازن، ويثبّت عزيمته باستنساخ الحياة.
                        
ويظهر الانفلات من الزّمن الآني، حتّى ولو كان على هيئة خيالات وأوهام صور، عندما نادى حادي "الحرّاقة" "حكما" بعبارة يا ولدي، فما كان منه وهو ابن اللا أحد إلاّ أن يستحضر خيالات ملامح أمّه المعتمة.
                        
ويستغرق مشهد الرّحيل والتأقلم في المنفى الفصلين الأوّل والثّاني، ليكون الارتداد في الزّمن في الفصل الثّالث إلى مزارع المعلّم "خير الصّالح"، وهناك تتكشّف أسباب هجرة "حكم"، وهناك تكثيف إلى حدّ التّخمة من هول مدى المعاناة التّي تطحن الذّات الإنسانيّة، تحت كلّ مسميّات العزّة والكرامة والعدالة، مقابل القهر وذلّة العيش في البحث عمّا يسدّ الرّمق.
                        
وهكذا ترانا وعلى مدار الرّواية، ننتقل في الأمكنة والأزمنة كلّما اقتضت الحاجة، لإضاءة بعض الزّوايا الغامضة، وهو تنقّل عقلانيّ محكم، صدر عن رؤية فنيّة مصمّمة مسبقا، وما التّمرّد على كلّ منهجيّات الرّواية ، إلاّ منهجيّة، ولدت ونمت بعد عجز الرّواية الحديثة عن تبنّي قيم فنيّة جديدة دالّة.
لقد تناولت في هذه المداخلة بعض النّقاط في محاولة محاورتها، للكشف عن آلية العمل، لكنّ رواية منفى الياسمين الّتي تحمل من الإيحاءات والدّلالات والتّقنيّات الفنيّة المعروضة بلغة مكثّفة، تحثّ ذائقة أيّ ناقد في الغوص بأعماقها، لاستخراج الجواهر من مخزونها الزّاخر.

(مداخلة الدّكتور صفا رجا فرحات، في أمسية إشهار رواية منفى الياسمين في نادي حيفا الثقافي 26-4-2018)