كنوز نت نشر بـ 14/04/2018 12:02 am  


هكذا خطف جنود جيش الدفاع الإسرائيلي فتًى من فِراشِه، بالخطأ



محمود ماضي، 14 سنة، ظنّ أن أُمّه جاءت توقظه ليذهب إلى مدرسته. وعندما فتح عينيه وجد نفسه محمولا على أيدي جنود. خضع للتحقيق على مدى ساعات طويلة ونُقِل من معسكر إلى مُعسْكر، قبل أن يُطْلَق سراحه. الناطق بلسان جيش الدفاع الإسرايلي: "وقع خطأ"


بقلم :  جدعون ليفي و أليكس ليبك هآرتس، 13.4.2018 ترجمة: أمين خير الدين 

    
كان محمود ماضي نائما. وكان ذلك بعد الواحدة ليلا، حين شعر أن احدا يحمله من فراشه. هو ابن 14 سنة ونصف، تلميذ في الصف التاسع، كان مقتنعاً أن أمّه توقظه ليذهب إلى المدرسة، استغرب، "أمّي أضعف من أن تحملني"، قال لنا هذا الأسبوع في الصالون الصغير في بيته الواقع في وسط مخيم العروب للاجئين، بين بيت لحم والخليل.
  
مرّت ثوانٍ حتى استوعب ما يجري: جنود اقتحموا بيته وهم منْ أخذوه من فِراشه، أخرجوه من البيت، في الخارج، في الشارع، قيّدوا يديه وغطّوا عينيه، وفي اليوم التالي عاد جنود مرة ثانية في منتصف الليل، لاعتقال أخيه الأكبر.
 
 أحد الأبناء شهيد. عائلة ثكلى. كُنّا في هذا البيت قبل حوالي سنتين بعد مقْتل عمر ماضي. جندي من جيش الدفاع الإسرائيلي أطلق النار من برج الحراسة المُحصّن على مُلْقي الحجارة في الشارع، بالقرب من مقبرة المُخيّم، أصيب وتوفى. عمر لم يكن قد بلغ ال- 16 عندما قُتِل. وقبل أسبوعَين عاد جنود جيش الدفاع الإسرائيلي لينكِّلوا بالعائلة الثكلى. خطفوا محمود من فراشه - ليس هناك طريقة أخرى لوصف ذلك. صحيح أنهم قالوا إنهم يبحثون عن محمد، مع أنه لا يوجد محمد في العائلة. ربما لهذا أخذوا محمود. في اليوم التالي عاد الجنود في منتصف الليل، واعتقلوا أخيه خضر ابن ال- 20 سنة.

بيت الشهيد
      
صور عمر المتوفّى تزيّن حيطان الصالون. صوره منقوشة على الجدران الخارجية للبيوت في الزقاق الموصل إلى البيت. كي نصل إلى البيت كان علينا أن نسأل عن "بيت الشهيد". قُتِل عمر في 10 شباط، 2016، أمُّه تعرّف نفسها ب"أمِّ الشهيد". تقول عندها ستّة أبناء وابنتَيْن، بما في ذلك عمر، بالطبع ."عمر لا زال معنا"، كما تقول. نُعْمى ماضي 53 سنة، زوجها يوسف 54 سنة، كان يعمل في بلديّة بيت لحم. عاطل عن العمل منذ فقد القدرة على الرؤية بإحدى عينيه.
   
أعتُقل ابنهما محمود مرّة، قبل سنة تقريبا، وجُرح من رصاصة مطّاطيّة في جبينه. أربعة من بناء العائلة اعتقلوا في الماضي. مُعتصم الابن البكر، أصيب إصابة بليغة قبل عِدّة سنوات من إطلاق نار الجنود ولا زال حتى اليوم يعاني من جرحه، ابن 25 سنة الآن. هكذا هي حياة عائلات كثيرة في مخيم اللاجئين المكتظ هذا.
   
في عصر يوم السبت قبل أسبوعَيْن، 31 مارس/آذار، عيد الفصح عند اليهود، سمعت نعمى ضجيجا قويّا في الشارع. كانت الساعة بعد الواحدة ليلا، مع أنها كانت لا تزال مستيقظة. إلاّ أنها مُعتادة على الاقتحامات الليلية لجيش الدفاع الإسرائيلي، اسرعت بجمع أجهزة البيلفونات الخاصة بأبناء العائلة ووضعتهم داخل صدريتها. دقّ الجنود بقوة على الباب وهدّدوا بتفجيره إن لم يفتحوا. نعمى أسرعت وفتحت الباب. ابنها خضر الذي كان لا يزال مستيقظا، ايقظ أختيه. 

دخل الجنود وتفرقوا في غرف البيت، بطابقيه.
  
 أخذوا خضر إلى السطح بعد أن صرخ بهم وسألهم ماذا تريدون. تقول أمه إنّها خافت من أن يقتلوه ويدّعون فيما بعد أنه هاجمهم بسكين. هبه، ابنت أل – 28 سنة، بدأت تصورهم خِفْيَة بواسطة محمولها. يُظهر الفيلم أن الجنود - مُدجّجين، مسلّحين، بِخُوَذ فولاذية وبنادق مصوّبة، بعظهم مقنع - يتراصّون في البيت الصغير، بدون عنف، فقط تبادل كلمات قاسية. أحيانا يُسْمَع صوت بكاء.
   

عندما أنزلوا خضر عن السطح، قال للجنود: "إذا كنتم تريدون اعتقالي، دعوا باقي أبناء العائلة". وحسب اقوال أمِّه، إن شخصا بملابس مدنية، ربما عميل للشاباك كان مع الجنود، أجابه: "سوف نعود إليك أيضا، لكن ليس اليوم". طلب الجنود من ربّ االعائلة، يوسف، بطاقة هويّته، فقال لهم أنهم في المرّة السابقة عندما جاؤوا لاعتقال خضر، قبل أكثر من سنة، أخذوا بطاقة هويّته ومنذ ذلك التاريخ لم يعيدوها. أُدين خضر بتسعة شهور من السجن على جرائم أخرى.
    
سألوا عن محمد. فقال الوالدان إنه ليس عندهم ابن بهذا الاسم. طلبوا بطاقة هويّة الأمّ. صعدت إلى الطابق الثاني لإحضار بطاقة هويّتها وعندما رجعت رأت جنديا يمسك بمحمود، وكان الجنود قد أيقظوه.
      
"رفعوه من سريره وطلبوا منه أن يقف"، كما يقول محمود. "مسكني جندي بكلتا يدي خلف ظهري. وصرخ الجندي على أبي كي يُحْضر بطاقة هويّته، حاولت أن أقول له: شوي، شوي. على مهل، على مهل". يتكلم محمود بحماس وبثقة. كان قد اعتُقِل في الماضي لثلاثة أيام بسبب إلقاء حجارة. ويبدو أنه لا يهتم كثيرا من التوقيف: الآن ثبّتني الجندي في عنقي وبدأ بالضغط ليخنقني. بدأت أمّي بالصراخ، ’أنت تخنقه‘ قال لها الجندي ، إخرسي".
     
قال الجنود إنهم سيأخذون محمودا معهم، طلبت أمّه أن يسمحوا له بارتداء ملابسه، لأن الجوّ بارد خارج المنزل، رفضوا لكنها ناولته قميصا من النوع الثقيل كان على الكرسي. طلبت منهم أن يسمحوا له بانتعال حذائه، ففعلوا ذلك. طلب محمود أن يذهب إلى المنافع فرفضوا. حاول خضر منع اعتقال أخيه فدفعوه جانبا. ثم خرجوا من البيت ومعهم محمود. بالقرب من المسجد قيدوا يديه وغطّوا عينيه. يقول محمود إن القيد كان شديدا وآلمه جدا. ذهبوا به إلى برج الحراسة على الشارع الرئيسي، شارع رقم 60، وهناك اضطر للانتظار ساعة تقريبا، حسب تقديره.
     
قاربت الساعة على الثالثة صباحا. عبأت جندية استمارة وسألت محمود إن كان يعاني من مشاكل صحيّة. ثمّ نقلته سيارة جيب عسكريّة إلى مُعسْكر عصيون. أجلسه الجنود على أرض الغرفة فشعر ببرد شديد بسبب المُكيِف، كما يقول. طلب أكثر من مرة أن يذهب إلى المنافع، في المرة الخامسة أو السادسة صرخ عليه جندي وصفعه، كما يقول. طيلة الوقت كانت يداه مُقيّدتين خلف ظهره وعينه مُعصّبتان. وعندما اشتكى من الألم بيديه، قيدوهما من الأمام.
   
 لم ينم للحظة، في الصباح نقلوه إلى مكان آخر – لا يعرف أين - وبعد الظهر أُخِذَ للتحقيق، على ما يبدو في مركز للشرطة لكن المحققين كانوا بلباس مدنيّ. سُئل عن إلقاء حجارة وزجاجات حارقة. قال إنه أجاب المحققين معه: " كيف سأرمي زجاجة حارقة؟ الزجاجة الحارقة أكبر مني". يقول إن المحقق غضب منه وقال له إنه يحبّ قول الحقيقة، فأجابه محمود،"ونا أيضا أحبّ قول الحقيقة". نُقِل حتى ساعات المساء بين عِدة أماكن، لا يعرف إلى أين أخذوه. أُ حوالي الثامنة مساء أُخِذَ إلى شارع الأنفاق، مع مُعْتَقَل آخر من المخيّم، وهناك، عند حاجز الأنفاق، أُطْلِق سراحهما. فرجعا بسيارة أجرة إلى بيتيهما.
 
لم يعرف والداه شيئا عن مصيره طيلة الوقت. في التوقيف السابق اتتصل مُحقق وطمأنهم عنه، هذه المرة لم يتصل أحد. وقد جرى التحقيق بدون حضور محام أو حضور والديه، رغم انه قاصر. كالعادة. وعندما عاد إلى البيت، نام فورا. وفي اليوم التالي لم يذهب إلى المدرسة ، كما أنه لم يذهب ايضا في اليوم الذي بعده، وقد انتظرته ليلة رُعْب أخري في البيت.
   
يوم الأحد وصل الجنود مرة أخرى حوالي الساعة الواحدة ليلا، أيقظوا أهل البيت بضرباتهم الصاخبة على الباب. جاؤوا هذه المرة لاعتقال خضر. كان الاعتقال صاخبا ، تقول الأم "كانت حرب". مرة ثانية حاولت البنت، هبه، ان تصوّر لكن الجنود صادروا جهاز المحمول ومسحوا صور الفيديو. تقول إنها في جزء من الوقت بثت ببثّ مباشر في الفيسبوك وهذا أيضا مُسح من صفحة الفيسبوك الخااصّة بها. حتى الآن لم يعيدوا لها جهاز المحمول.
     
يوسف، فقد ابنه قبل سنتَيْن. يتدخل في المحادثة للمرة الأولى: "هذا أسوأ مما فعله هتلر مع اليهود". غضب خضر لأن الجنود اقتحموا غرفة أخته (كي يصادروا المحمول الخاصّ بها). تقول أمّه إن أحد الجنود صوّب بندقيّته نحوه. تحول الجوّ إلى جوٍّ متوتّر جدا. في فيلم قصير جدا صوّره أحد أبناء البيت ولم يُصادر، يظهر خضر غاضبا من الجنود، ويظهر أخوه مُعتصم بالفانيلا، يتناقش مع الجنود بنقاش حادٍّ. كان هناك صراخ، وبكاء، ولم يكن عنف بدنيّ.
  
لم ينفعل أحد
    
صرّح الناطق بلسان جيش الدفاع الإسرائيلي "اعْتُقِل محمود ماضي بعد معلومات يُطلب بموجبها للتحقيق معه في شرطة إسرائيل، وذلك إثر الاشتباه باشتراكه بنشاط غير قانوني. وبعد توقيفه أتضح أنه قد وقع خطأ، وقد أُطلق سراحه". وقد جرى اعتقال أخيه خضر ماضي، "بدون أيّة علاقة لاعتقال محمود، بعد قيامه بالتحريض على الاعتداء على إسرائيليين وعلى قوّات الأمن".
    
خضر موجود في سجن عوفر، عاد محمود لى المدرسة يوم الأربعاء الماضي. يقول أنه لم ينفعل أحد من عودة المُعْتَقَل المحرر. لقد تعوّدوا في هذه المدرسة.