كنوز نت نشر بـ 08/04/2018 06:08 pm  


أحتشاء* عضلة قلب إسرائيل


جدعون ليفي هآرتس،8.4.2018 ترجمة: أمين خير الدين 


    يا لها من مُتْعة كانت يوم الجمعة، إعلاميون وعمالقة تنافسوا فيما بينهم مَن سيكون بارعا ومسليّا أكثر. أحدهم غرّد قائلا إن الفلسطينيين يحرقون عجلات GOODYEAR، كتب الآخر أن قادة حماس لم يأتوا لأنهم يترفّعون؛ أقترح أحدهم دعوة أريه درعي، لأن الفلسطينيين يستعملون البصل، وسأل آخر كيف حال أل"الدبابة المتفوقة". أورد آخر صورة للصليب المعقوف مرُفِوعا في المظاهرة وكتب: "سِمَة الناس الذين نعقد معهم السلام"، أما المحلل الذي يعتبر معتدلا نسبيا قال من على شاشة التلفزيون إن هذا "أحتجاج غبيّ"، كالاحتجاج الذي لا يناسب مستوى الذكاء المعروف له. وجميعهم كعادتهم أثنَوْا على جيش الدفاع الإسرائيلي وعلى إنجازه: لم يعبر الحاجز أحدٌ. ونَجَت الدولة من الهلاك. كل الاحترام لجيش الدفاع الإسرائيلي.

     
بينما كانت تتردد كل هذه السخرية والتبجح على شبكات الإعلام، كان 20 ألف غزّاويّ يتجوّلون على الرمال بالقرب من الجدار الذي يسجنهم يستغيثون طلبا للمساعدة. يلبسون اسمالا بالية، معظمهم من الشباب، حوالي 65% منهم عاطلون عن العمل، يستنشقون دخان العجلات المحروقة الأسود ويدركون أن ماضيهم، حاضرهم ومستقبلهم أكثر سوادا من الدخان الأسود. كان من بينهم مَن يحمل بيدية آخر تطوّر لصناعة السلاح في غزة: مرايا.مرايا المنافع ومرايا غرف النوم، والمفروض أنها تُزغلل عيون الجنود الذي سيصطادونهم. مرايا مضحكة كهذه لم نرَ مثلها منذ زمن: 1350 جريح، جُرح 293 منهم برصاص حيّ، حوالي 20 منهم بجروح خطيرة: وقد أُحْصيت 9 جُثث حتى ساعات الصباح.

   

وقد حُذِّر جميعهم ألاّ يجتازوا خطّ الموت تماما كما كان مرّة في – DDR. في شرق ألمانيا الذين أطلقوا النار على كل مَن يخرج من بلادهم، كان هذا أمرا فظيعا، الإسرائيليون يطلقون النار على كلّ مَن يقترب من جدارهم، وهذا مُمْتع. وقريبا سيكون الجدار كهربائيا، وحينها سيعفي القناصة من عملهم. كان من بين القتلى فتًى عمره 16 سنة، حسين ماضي، ومصوّر صحافة، لبس ثوبا عليه لافتة "صحافة" بالإنجليزية، لافتة لم تحمه من رصاص قنّاصة الجيش الأخلاقي الذي صوّب عليه وأطلق النار على صدره. ربما لم يعرف القناص قراءة اللغة الإنجليزية. كان عمر ياسر مُرتجى 30 سنة، ولم يخرج طيلة حياته خارج حدود غزّة أبدا. منذ زمن قريب نشر صورة من حوّامة هوائيّة من عَلٍ تظهر فيها غزّة ، وقد كتب مرتجى أن حُلْمَه تصوير صور مشابهة. ربما يمكنه الآن أن يحقّق حلمه من السماء الأعلى. أمس في جنازته غطّوا جثمانه بثوب الصحفي الازرق الخاصّ به. لم يكن الصحفي الوحيد الذي طلق عليه قناصة جيش الدفاع الإسرائيلي النار أول أمس، هناك ستّة صحفيين آخرين جُرِحوا، دمهم ليس أكثر لزوجة، لكن إطلاق النار عليهم يثبت أن قناصة جيش الدفاع الإسرائيلي يطلقون النار دون تمييز ولا يوفرون أيّة ضحيّة.
   
كل هذا أوجد ردود فعل مشجّعة وممتعة لجيش الدفاع الإسرائيلي في شبكات الإعلام. من الصعب فهم كيف يُمْكِن التحديق بآلاف البشر وهم في قفصهم دون أن نراهم. كيف يمكن النظر بهؤلاء المتظاهرين دون أن نرى ضائقتهم، وهي نتيجة عمل إسرائيل، في الدرجة الأولى. كيف يمكن أن نعفي أنفسنا من الذّنْب، نلقي المسؤولية على حماس ولا نَفْزع للحظة من منظر الأبرياء اللذين سُفِكَت دماؤهم بأيدي جيش الدفاع الإسرائيلي. كيف يمكِن لرئيس الشاباك السابق أن يثير احتجاجاا جماعيّا يعلو بقوّة كهذه ضدّ خطاب مُبْتَذل لرئيس الحكومة. في احتفال لا يقل ابتذالا، في الوقت الذي بصعوبة بتثاءب أمام مذبحة كهذه.
     
هذه المرّة ليس هناك صواريخ قسّام، وليس هناك حتّى مِقصّات. ليس هناك إرهاب باستثناء "إرهاب الكاوتشوك" و"مسيرة الإرهاب، والاصطلاحات المبالغ بها التي تختلقها صحيفة "يسرائيل هيوم". هذه المرّة الاحتجاج سلمي. وهذا أيضا لا تراه إسرائيل. لا ترى حقيقة الجريمة في عيون مرتكبيها، لا ترى البشر بعيونها، لا ترى يأسهم، لا ترى سوء مصيرهم. في الكارثة الطبيعيّة القادمة، اينما ستكون ستبعث إسرائيل بعثة إغاثة وسيتبجح جميعهم عن الشفقة ال"يهوديّة" وإنسانيتها. لكن لا أحد يمكنه بعد اليوم أن ينكر انغلاق عضلة القلب الإسرائيلي الذي يسيطر عليها، الانغلاق الذي يمنعها من إغاثة إنسانيّة وشفقة قلبيّة، بعد أن جُرِحَ القلب أخيرا.

----------- 
*أحتشاء عضلة القلب (الجلطة) – مرض حادٌّ جدّا يصيب القلب، بسبب انسداد أحد الشرايين.