كنوز نت نشر بـ 06/04/2018 06:14 pm  


سيرة حياة فاخرة لمؤسس الجبهة الشعبيّة تُؤكِّد أن: حبش كان مُحقّا



يُعتبر حبش باعتقاد أغلبية الإسرائيليين عدوّا مطلقا، خاطفٌ للطائرات شريرٌ يرفض المساومة. سيرة الحياة التي كتبها عنه إيلي غاليا تبيّن بحياد وبدون ترفّع شخصية الطبيب كثير التناقض ألذي قاد الجبهة الشعبيّة ونضاله المرير والفاشل من أجل تحرير فلسطين


بقلم : جدعون ليفي هآرتسن 5.4.2018 ترجمة: أمين خير الدين  


أعدّ الكتاب: يهونتان ديان


كان دكتور جورج حبش على مدار عشرات السنين العدواللدود لدولة إسرائيل، ملامح شرير، شيطان متجسّد. حتى أن إضافة لقب دكتور إلى اسمه – كان طبيب أطفال – يُعْتَبَر خطيئة. كان حبش خاطف طائرات، كان إرهابيّا، إرهابيا فقط. في دولة لا تعترف بأحزاب فلسطينيّة – هل سمعتم مرة عن حزب فلسطيني، ما يلائمهم فقط"منظمات إرهابيّة" – المعلومات عمَن كان قائدا للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تصبو إلى الصفر. ماذا يمكن أن نعرف عنه؟ مخرب. دون البشر. مآله الموت. عدو. الحقيقة أنه كان أيديولوجيا وثائرا، اكتوت حياته وشُكّلت في النزوح من اللد، النزوح لم يغير شيئا. كان وبقي خاطف طائرات من دمشق، عضو "جبهة الرفض" لم يكن أيّ فرق بينه وبين باقي أل"مُخرِّبين"، بدءا من ياسر عرفات وحتى وديع حدّاد ونايف حواتمه.
   
جاء الآن هذا الكتاب ليرسم الواقع، بعيدا عن ضجيج ألدعاية وعن الغباء وشطف الأدمغة، يضع أمام القارئ الإسرائيلي الذي يقبل أن يقرأ سيرة حياة عدوٍّ. يُمْكن الافتراض أن قلّة ستقرأه، لكن هذه البيوغرافيا التي كتبها المستشرق دكتور إيلي غاليا تستحق كثيرا من التقدير . بيوغرافيا سياسية، كما ظهر في عنوانها الثانوي، لذلك تغيّب عنها غيابا تامّا المعيار الشخصي ـ النفساني، الذاتي وحتى تشويه بطلها. لذلك قراءتها فقط للذين يُحْسنون القراءة، ومع ذلك، قراءتها ممتعة.
    
كتب غاليا سيرة حياة حياديّة، وطبعا بعيدة عن الترويج، وهذه إحدى من حسناتها. في الواقع الدعائي الإسرائيلي هذا ليس بديهيّا، حتى للأكاديميين. غاليا يطرح معلومات، ومعلومات ثريّة، مع حوالي 1000 ملاحظة هامشية، عن مسيرة حبش السياسيّة، الرجل الذي اعْتُبِر عقائديا ومّر بكثير من التقلبات الآيديولوجيّة في حياته.إن كانت هذه عقائديّة، إذَن ماهي البرغماتية؟ لقد مرّ حبش في حياته بكثير من التغيّرات الفكرية أكثر مما مرّ به الإسرائيلي العادي الملتزم بالخطاب الإسرائيلي والذي لا يميل عنه لأنه هذا هو، وطبعا لا يُعْتَبَر عقائديا.
   
يصوَّر حبش بالكتاب كشخصية كثيرة التناقض: بين كونه ابن الأقلية المسحيّة الفعّال بين أغلبية إسلامية، بورجوازي تحوّل لماركسي، قائد قاسي القلب شوهد مرّة وهو يبكي بالخفية وهو في غرفته عندما كان يكتب مقالا عن جرائم إسرائيل ضدّ ابناء شعبه. اضطر للنزوح وللهروب من مكان لآخر، أحيانا كثيرة كان يهرب من ظلم الأنظمة العربيّة أكثر مما كان يهرب من ظلم إسرائيل، سُجِن في سوريا وهرب من الأردن، كرّس حياته لثورة لم تنجح أبدا؛ لا يمكن أن لا نقدِّر إنسانا كرّس حياته من أجل مبادئه، بالضبط كما يجب أن نُقدّر باحثا ضحّى بعمله من أجل قرّاء قلائل اهتمّوا بحبش الميّت، في إسرائيل التي فقدت كل اهتمام لها في احتلال وفي نضال الفلسطيني.
    
تعلو في هذا الكتاب النتيجة المُسْتَخْلَصة التي تؤكّد أن جورج حبش كان مُحقّا. كان في مُعْظم حياته عدوا مريرا لحلول الوسط. عرفات رجل حلول الوسط، انتصر في الكفاح التاريخي بينهما. كلاهما أحبا – وكرها بعضهما، احترم أحدهما الآخر وكرهه بالتبادل، لم يقطعا علاقتهما ببعضهما أبدا – حتى نجح عرفات وكان نجاحه لا مركزيا. ومع ذلك ماذا أفادت كل حلول أبي عمار للشعب الفلسطيني؟ ماذا نتج من الاعتراف بإسرائيل، من الاكتفاء ب-22% من إرض فلسطين، من المفاوضات مع الصهيوننيّة ومع أمريكا؟ فقط تعمُّق الاحتلال الإسرائيلي وتعزيز مشروع الاستيطان وترسيخه.
     
بعد فوات الآوان تتضح الحقيقة أنه إذا كانت الأمور كما تبدو، كان من الأفضل الاستمرار في طريق جورج حبش، وقد عارض كل المفاوضات مع إسرائيل طيلة حياته، وقد اعتقد أنه يمكن الاحتكام مع إسرائيل بطريقة القوّة فقط، واعتقد أنه إذا دفعت إسرائيل ثمنا غاليا عندئذ ستغيّر موقفها، كان حلمه دولة واحدة، ديموقراطية علمانيّة يكون فيها اليهود متساوو الحقوق، لم يوافق على بحث أيّ حلّ آخر. وللأسف، كان مُحقّا. من الصعب معرفة ما كان سيحدث لو سار الفلسطينيون على طريقه، لكن من غير الممكن نكران أن البديل لطريقه حصد فشلا يتردد صداه في كل مكان.

تشي جيفارا الفلسطيني
   
وُلِد حبش سنة 1926، وكتب في طفولته: "أعداؤنا ليسوا اليهود، أنما البريطانيون ... كانت علاقات اليهود مع الفلسطينيين علاقة طبيعيّة وأحيانا جيّدة" (صفحه 16). هو بنفسه سافر ليدرس الطبّ في الجامعة الأمريكية في بيروت، كتب له والداه الخائفين عليه أن يبقى هناك، لأنه هنا حرب. لكن حبش عاد ليتطوع في المستوصف في مدينته، عاد ورأى. منظر الجنود الإسرائيليين الذين اقتحموا المستوصف سنة 1948 وقد اشتعلت بداخلة الشظية الأولى للمقاومة االعنيفة: تملكني إحساس بإطلاق النار عليهم من مسدّس وقتلهم، خلال كل الوقت الذي لم يكن معي سلاح – استعملت الكلمة العنيفة. راقبتهم من الخفاء وقلت همسا: هذه بلادنا، يا كلاب، هذه بلادنا وليست بلادكم، لم يبق غير أن أقتلكم، لن تنتصروا في هذه المعركة" (ص-22). في 14 يوليو/تموز طُرد من بيته مع أبناء عائلته وبعدها لم يعُد لمدينته التي أحبّها. لم ينسَ منظر اللد عام 1948، ولم ينسَ أيضا فكرة المقاومة العنيفة. هل يتمكن القارئ الإسرائيلي من فهم مشاعره؟
   
وسرعان ما انظم لتنظيم الكتائب في بيروت وبدأ بأعمال إرهابية ضد أهداف يهوديّة وغربيّة في بيروت، عمّان ودمشق: "ألقيتُ بشكل شخصي قنابل واشتركت بمحاولات اغتيال. كان بي حماس لا نهائي عندما قمت بذلك. في تلك الفترة لم تكن أهميّة لحياتي بالنسبة لما حدث في فلسطين" (31).
  

 "تشي جيفارا الفلسطيني" – كان كلاهما طبيبا – اقتنعا بأن عليهما الانتقام للنكبة في الغرب وفي الأنظمة العربيّة ألتي تخلّت عن شعبه، قبل الانتقام من اليهود. وقد خطط للانتقام من ملك الأردن، عبدالله. أسّس تنظيما طلاّبيا في بيروت، حركة القوميّون، أنهى تخصّصه في طبّ الأطفال وكتب: "أخذتُ الشهادة وقلتُ: مبروك يا أمي، ابنك أصبح طبيبا، والآن، دعيني أقوم بما أريده حقا؛ ومع ذلك، هذا ما حدث" (ص41).
     
تشي الفلسطيني (سُئل حبش مرة إذا كان يرى بنفسه تشي جيفارا الشرق الأوسط فأجاب إنه يفضّل أن يكوم ماو تسي تونغ للجماهير العربيّة) كان أول مِن رفع شعار العودة وحاليا فتح عددا من المستوصفات للاجئين الفلسطينيين في عمّان. كان يعتقد أن طريق العودة إلى اللد تمرّ في عمّان، بيروت ودمشق. رافقته فكرة توحيد العرب لسنين طويلة، حتى يئس من ذلك. وحتى اضطر إلى ترك مهنة الطبّ: " أنا طبيب أطفال، وتمتّعت بذلك كثيرّا، اعتقدتُ أنه كانت لي أجمل مهنة في العالم ... لكن كان يتحتّم عليّ أن آخذ القرار الذي أخذته ولستُ نادما على ذلك ... لا يستطيع الإنسان أن يجزء مشاعره بحيث: يعالج ممن ناحية ويقتل منن ناحية. هذه هو الوقت الملائم ليقول لنفسه: هذا او هذا" (ص 154).

السلاح الوحيد المتبقي

   
هذا الكتاب لا يتباهى ولا يستشرق. إنّما يكنّ احتراما للأيديولوجية القوميّة الفلسطينية ولباعثيها، حتى لو كان كاتبه لا يوافق مع هذه ألآيديولوجيّة أو يتضامن معها، ومثل هذا قليل الظهور في المشاهِد الإسرائيلية، إذا كان ذلك يتعلّق بالعرب وخاصة بالفلسطينيين. وأيضا لا يسجد المؤلف لمَن لا يستحق السجود له ولا يعيش بأوهام خيالية ُأُخْرى. يطرح غاليا كفاحا مريرا، صعبا، لا حلول له، فاشلا جدا، عن الحرية، عن الاحترام الذاتي وعن الاستقلال.
  
هذا ما ورد في البيان الأساسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وقد أسّسها جورج حبش في ديسمبر/كانون الأول من عام 1967، بعد أن ملّ من الوصول إلى وحدة فلسطينيّة: "السلاح الوحيد الباقي لدى الشعب كي يصحّح التاريخ في مساره هو العنف الثوري ... لأن اللغة الوحيدة التي يفهمها العدو هي لغة العنف الثوري" (ص 125). لكن هذه الطريقة أيضا فشلت. "الهدف الأساسي من اختطاف الطائرات"، كما كتب حبش، "هو إخراج القضية اللفلسطينيّة من التعتيم عليها وإظهارها أمام الرأي العام الغربي، لأنها لم تكن معروفة لهم في حينه،لا في أوروبا ولا في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، أردنا القيام بعمليات تحرِّك مشاعر العالم كله ... يسود غباء تام بالنسبة لمعاناتنا، وذلك بفضل احتكار الحركة الصهيونيّة للإعلام الواسع في الغرب" (151).
   
اختطاف الطائرات الذي قامت به الجبهة الشعبيّة في أوائل سنوات ال- 70 مع أنها أدّت إلى اعتراف عالمي بوجود القضيّة الفلسطينيّة، لكن هذا الاعتراف لم يؤدِ حتى الآن لأيّة نتيجة. باستثناء النتيجة الوحيدة وهي التشديد في التفتيش الأمني في المطارات في كل العالم، ويعود الشكر في ذلك لجورج حبش. قرأتُ الكتاب عنه خلال عِدّة رحلات طيران، وطوال الوقت كله اعتقدت أنه لولا حبش لكانت طريقي في مطارات العالم أكثر اختصارا. غفرتُ له في قلبي عن ذلك. لأنه لم تكن أيّة طريق مفتوحة أمامه وأمام شعبه المغلوب على أمره، المُهان والنازف؟
     
 لم يبق من مبادئه كثير. ماذا نتج عن المذاهب المثاليّة وعن مبادئ تسييس الجماهير، وعن النضال ضد الطبقيّة ومناهضة الاستعمار، من الوحدة العربيّة ومن الناصريّة، من الماويّة [حركة شيوعية تستند لأفكار ماركس ولينين وستالين – المترجم] وأيضا من زيادة النضال ضدّ أسرائيل وتحويله إلى نضال مسلّح، وقد كان من المفروض حسب التخطيط له أن يتحوّل من حرب عصابات إلى حرب تحرير وطنيّة؟ 50 سنة بعد تأسيس الجبهة الشعبية وبعد عشر سنوات على وفاة مؤسسها، ماذا تبقى؟ وريثه، أبو علي مصطفى، صُفّيَ بواسطة إسرائيل، أحمد سعدات، يقبع في السجن الإسرائيلي منذ 2006؛ بقي القليل جدا من الجبهة الشعبية.
  
خلال عشرات سنوات من استعراض الاحتلال الإسرائيلي، كان مُعظم الشخصيات المؤثّرة الذين قابلتهم ينتمون إلى الجبهة الشعبيّة، الآن لم يبق منها كثير، باستثناء حطام ألأحلام. الجبهة الشعبية أقليّة غير فعّالة في السياسة الدااخليّة- الفلسطينيّة، حركة فكر زعيمها مرّة أن يطلب من زعيم فتح،عرفات نصف النصف. بينما الاحتلال؟ قويّ بنمو أكثر من أيّ وقت مضى وتبدو نهايته بعيدة أكثر من أيّ وقت مضى. إذا لم يكن هذا فشلا، إذَن ما هو الفشل؟.

 إلى أين تتجه إسرائيل

    
 لكن حبش الذي فشل كثيرا دائما كان يعرف كيف يستخلص النتائج. كم تتردد اليوم نتيجته التي استخلصها بعد النكسة سنة 1967 التي حطمت معنوياته، إن " العدو الحقيقي للفلسطينيين هو النظام الاستعماري، الرأسمالي، والاحتكاري العالمي... هذا هو العدو الذي أوجد الحركة الصهيونيّة، عقد معها تحالفا، غذّاها، شجّعها، حرسها ورافقها حتى استطاع تحقيق إقامة دولة إسرائيل العدوانيّة والفاشيّة" (ص179). أمّا من الجانب الفلسطيني لم يتغير شيئا منذ ئذ. مرة سُمّيَّ هذا في إسرائيل شعارات سياسية معادية جوفاء، اليوم يُسمى باسم آخر.
   
 بعد الفشل عام 1967 حدّد حبش الهدف من جديد: إقامة دولة ديموقراطية في فلسطين، يعيش فيها العرب واليهود كمواطنين متساوين في الحقوق، وقد يبدو هذا الاقتراح اليوم تقريبا غريبا ومعادٍ أقلّ ممّا كان يبدو أيّام صاحبه حبش.
   
عند بلوغ الأربعين سنة لدولة إسرائيل كتب جورج حبش إن إسرائيل تتجه باتجاه إسرائيل الكُبْرى وأن الفرق بين اليمين واليسار يتحول لفرق لا معنى له. كم كان مُحقا بذلك أيضا، في نفس الوقت ،اعترف بنجاح إسرائيل وبفشل الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، وبهذا كان مُحقّا أيضا. وتننبأ بحقيقة أخيرة، حتى لو كانت مُرّة، كتبها عام 1989: "دمج الخسائر بالأرواح مع الأضرار الماديّة له تأثير كبير على المجتمع الإسرائيلي وعندما يحدث هذا سيؤدي إلى انشقاق سياسي، اجتماعي ومبدئي بين التيار المعتدل، المُطالِب بالانسحاب من الأراضي االمحتلة، وبين التيار المتطرف المستمر بالتمسك بالمبادئ والأحلام التلموديّة. وبوجود مواجهة بين هذين التيّارَيْن، سيصاب الكيان الصهيوني بانقسام داخلي حقيقي" (ص329). مع أن هذا لم يحدث، حتى الآن.
   
عماد سبع، صديق الروح الذي كان ناشطا في الجبهة الشعبيّة ومنفيا في أوروبا، حثّني على مدى سنين طويلة كي أحاول لقاء حبش وإجراء مقابلة معه لجريدة "هآرتس". التقيت بنايف حواتمه، زعيم الجبهة الديمقراطيّة، شريك حبش في بداية الطريق، قبل سنوات في عمّان وأجريت معه مقابلة. لم يلتق حبش، بقدر ما هو معروف لي، بإسرائيليين في حياته (باستثناء أيّام النكبة). كان مُسنّا يقيم في عمان وأنا أجّلْتُ وأجّلْت، حتى توفى. ومع قراءة الكتاب ندمتُ كثيرا لأنني لم ألتق هذا الإنسان.