كنوز نت نشر بـ 31/03/2018 10:38 am  


هاجم خمسة إسرائيليين جمعة ربعي، عندما كان يجمع أعشابا ليطعم غنمه


خرج جمعة الربعي إلى الحقل. هاجمته الأشباح خرجت من مستوطنة ماعون وضربوه وهددوه بالسلاح. وقد جُرِح خلال هروبه وعندما جاء ابنه لمساعدته، صوّب إليه أحد المهاجمين مسدسه. في قريته، التواني، يقولون إن مثل هذه الهجمات تجري يوميّا.

بقلم : جدعون ليفي و أليكس ليبك هآرتس، 2018/3/30 ترجمة: أمين خير الدين 

   
في الرواق بجانب باب غرفة العمليات في المستشفى الحكومي على اسم الأميرة عاليه في الخليل، في الطابق الثالث من بناية المستشفى: جلس حوالي اثنا عشر شخص على المقاعد ينتظرون خروج عزيزهم من العمليّة الجراحيّة، العملية التي بدأت في التاسعة صباحا وامتدّت إلى الآن بعد الظهر. وأخيرا فتح الباب موظّف توصيل المرضى وهو يدفع بالسرير باتجاه المصاعد ومنها إلى الغرفة رقم 7 في قسم الجراحة في الطابق الثاني.
    
يرقد جمعة الربعي في سريره، عيناه نصف مُغمضتَيْن، لا زال مضطربا من التخدير، لا زال أنبوب نقل الدم موصولا بذراعه. رجل ذو لحية غزا الشيب شعر رأسه وشعر ذقنه ويداه يدا فلاح كبيرة، في مريول المستشفى، مُغطّى ببطانيّة زرقاء، أحيانا يتمتم ببعض الكلمات لأبناء العائلة المحيطين بسريره، ومعهم ابنه البكر، رأفت، ابن أل -21 سنة، وصُغرى بناته، مرفت، رضيعة عمرها سبعة أشهر تحملها أمّها، سريع، ابنة ال 40 سنة. للزوجين ثمانية أبناء.
   
قبل ذلك بثلاثة أيّام، يوم الجمعة الماضي وعلى أرض القرية الفلسطينيّة التواني جنوبي جبل الخليل. استيقظ الفلاح ربعي في الخامسة صباحا ونزل سيرا على الأقدام إلى حقله الواقع في موقع الخروبيّة، على بعد كيلومترين من القرية، ليجمع الأعشاب في كيسَيْن ككلأ لقطيع الأغنام الصغير الذي يمتلكه. قبل خروجه من البيت طلب من ابنه، رأفت، أن يلحق به بعد ساعة مع الحمار لينقل كيسَيّ الكلأ إلى الحظيرة القريبة من البيت في قرية التواني.
   
مصيبة هذه القرية هي مزرعة ماعون – البؤرة الوحشية والأكثرعنفا، وقد أقيمت هذه المزرعة في الغابة القريبة من القرية، وهي تابعة لمستوطنة ماعون. يروي سكان القرية عن المستوطنين وكيف أنهم يقتحمون بيوت السكّان ليلا يرعِبون العائلات بالضرب والتهديد، ويهاجمون رعاة الأغنام، وأن تلك الهجمات متكررة. 

في الأسابيع الأخيرة خرج مُعْتدون من جهة ماعون وهاجموا فلاّحي التواني. يوم الجمعة قبل أسبوعَيْن، وبعد صلاة الضحى، وصل حوالي عشرة إسرائيليين وقد خرجوا من مزرعة ماعون نحو القرية وألقَوا الحجارة على البيوت وعلى السيارات في القرية. وقد تحطّم الزجاج الأمامي لسيارتَيْن. وأُصيب شاب عمره 29 سنة بإصابة طفيفة من حجر.
     
وفي مساء ذلك اليوم قام مجهولون بتدمير حوالي 20 شجرة تابعة للقرية. وعندما وصل العشرات من سكان القرية إلى المكان، لتقدير الضرر، هاجمهم عشرات الإسرائيليين المسلّحين الذي خرجوا من مزرعة ماعون. الشابان، باسل عدره وباكر ربعي،أصيبا بإصابات طفيفة من الضرب. وقد دخل أحد الإسرائيليين المسلّحين مسجدَ القرية وهدّد المصلّين بالبندقيّة، وظل حتى هرب المصلّون من المسجد. هكذا هي الحياة في قرية التواني. وهذا ما جرى أيضا يوم الجمعة الماضي، عندما خرج الفلاح جمعه ربعي من بيته في الصباح الباكر في طريقه إلى حقله.

تحت الشُجَيْرة


   
في الوقت الذي كان أبوه يخضع لعمليّة جراحيّة، كنا نجلس في ساحة المستشفى مع ابنه رأفت، الشاهد على الهجوم الوحشي على أبيه، يوم الجمعة الماضي. شاب خجول أزرق العينين يتكلّم بهدوء لا زالت علامات الصدمة تبدو عليه.
  

يبلغ عدد الأغنام في قطيعهم 16 رأسا من الأغنام، لكنهم يعتنون ب- 60 رأس غنم آخر لجدته، فاطمة. رأفت خاطب ويحتاج إلى مصدر رزق. في السنة الماضية تسلل إلى إسرائيل ليعمل، وعمل حوالي نصف سنة كبلّاط في سيغب شالوم، ولكن بعد أن ضبطته الشرطة مرّتَيْن وينتظره عقاب بالسجن إن ضُبِط للمرة الثالثة، قرر أن لا يخرج للعمل في إسرائيل. ومنذ ذلك التاريخ أضطرّ للاكتفاء بمساعدة أبيه في العمل في الأرض.
  
خرج أبوه من البيت في الخامسة صباحا، وحوالي السادسة صباحا لحق به ابنه مع الحمار. تقع مزرعة ماعون على بُعد مئات الأمتار من الحقل الذي ذهبا إليه، هو وأبوه. عندما وصل الابن كان قد طلع الصباح فرأى والده يجمع الأعشاب من الحقل. ربط الحمار بالشجرة ونزل نحو ابيه، وقد استطاع أن يملأ كيسا واحدا بالعُشْب. أخذ رأفت الكيس وصعد به ليضعه بالقرب من الحمار، كي يعود ويساعد أباه. كانت المسافة بين الابن وأبيه عشرات الأمتار، وكان الهدوء يسيطر على المكان، فجأة رأى رأفت أباه يركض كالهارب. في البداية لم يستوعب ما يحدث لأبيه، لكنه سرعان ما شاهد خمسة أشباح اقتحمت الحقل آتية من جهة مزرعة ماعون. أحدهم انطلق في أثر والده. في لحظة ما ضرب الإسرائيلي الأب بالبندقية على رجله، لكن الأب تابع الهروب طلبا للنجاة. قفز جمعة إلى قلب الشُجيْرة، على ما يبدوا كي يختفي، دون ان يعرف ماذا يوجد تحته.
     
وقع في بئر او مُنْحَدَر عمقه حوالي مِتْرَيْن فالتَوت رجله وانكسرت جرّاء وقوعه. سمع رأفت اباه يصرخ من الألم. ورأى الإسرائيلي يقترب من أبيه ويضربه بسلاحه على رأسه، وهو لا يزال واقعا على الأرض عاجزا. وقد تعرّف رأفت على الإسرائيلي من الاعتداء السابق يوم الجمعة الأسبق، وقد امتاز هذا الإسرائيلي في حينه بالعنف المُميّز. نادى عليه أبوه طالبا منه أن يبتعد، حتى لا يؤذه الأوغاد، صوّب الإسرائيلي مسدسه على رأفت، فاضطر إلى التراجع عشرات الأمتار عن المكان.
  
بينما كان أبوه جريحا واقعا على الأرض يئنّ من ألمه، وجد رأفت ملاذا له بين أغصان إحدى الشجيرات فتح محموله. واتّصل بمتطوِّعي منظمة OPERATION DOVE ، وهم إيطاليون يسكنون في التواني ليحموا سكان القرية، كما انه استغاث بسكان القرية وبمحقق منظمة بتسيلم، ناصر النواجعة، المقيم في سوسيا. عندما رأى المستوطنون أنه يطلب المساعدة سارعوا في الهروب من المكان. يقول رأفت إنه سمع أحدهم يقول، "هيا لننصرف، العرب قادمون".

 وصل إلى المكان سكان القرية بسرعة بعد مرور نصف ساعة. حاليا وصل رأفت إلى أبيه الذي كان يرقد على جنبه على الأرض وهو يتلوّى من الألم. حاول مساعدته على النهوض، لكن رِجْل أبيه خانته فسقط. وصل حاليا إلى المكان ثلاثة جنود من جيش الدفاع الإسرائيلي الذين استدعاهم مجهول. اقترح أحدهم إحضار مَحْمَل، بينما بقي الآخران مع الجريح. لا توجد طريق للسيارة لتصل إلى المكان، وقد وصلت أخيرا سيارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر التي اسْتُدْعيَت من يطّا ووقفت على التلّة في الأعلى، كي تنقل الجريح. قال رأفت للجنود إنه لم تَعُد ثمّة حاجة للمَحْمَل. وقد مرت حوالي ساعة ونصف منذ جُرِح والده حتى نُقِل.

ككارثة طبيعية


نقلت سيارة الإسعاف أباه إلى المستوصف في يطّا، ومنه إلى مستشفى الأميرة عاليه في الخليل، حيث شخّصوا ثلاثة كسور في فخذه الأيسر، فوق الركْبَة. يقول محقق بتسيلم، موسى أبو هشهش، وقد وصل إلى المستشفى للتحقيق فيما حدث ظل جمعة يعاني من آلام حادّة حتى أُجْريَت له عملية جراحية يوم الإثنين من هذا الأسبوع.
    
جلسنا مع أبناء العائلة بالقرب من باب غرفة العمليّات، في قسم جديد نسبيا في المستشفى الذي أقيم بواسطة البنك العالمي ودُشِّن عام 2016 ، حسب ما هو مكتوب على اللافتة الرخاميّة على الحائط. تعامل أبناء العائلة مع الحدث المؤلم بالتسليم بالأمر الواقع، كما يتعاملون مع كارثة طبيعيّة تتكرر أكثر من مرّة. لقد تعودوا على هذا الواقع المجنون، حيث يعيشون في خطر دائم، تُداس كرامتهم، يُضْرب الآباء أمام أبنائهم وأرضيهم تُصادر - لا أحد يُدافع عنهم. ربما سيقدّمون شكوى في الشرطة بخصوص هذا الهجوم، مع أنهم يعرفون أنه لا قيمة لذلك.
   
من سطح الطابق العلوي للمستشفى فوق غرفة العمليات يظهر منظر مدينة الخليل بأكملها، واسعة المساحة، فقط عَلَم واحد يرفرف فوق أحد المباني في المدينة. هو عَلَم إسرائيل الذي يظهر من على أحد بيوت المستوطنة في الخليل.

يوم الأرض
2018