كنوز نت نشر بـ 30/03/2018 01:45 pm  


عن"خفق السنديان ورائحة الزعتر"لأبي عصام الميعاري


شاكر فريد حسن


بالأمس، وصلتني هدية جميلة ونفيسة من الصديق مروان هيبي من قرية كابول الجليلية ، وهي ديوان والده الشاعر الشعبي الراحل أبو عصام الميعاري، الموسوم"خفق السنديان ورائحة الزعتر"، الذي كانت طبعته الاولى صدرت العام٢٠٠٥، ونفذت جميع نسخها، ولم يبق سوى نسخة يتيمة، ولكثرة الطلبات والحاح الاصدقاء اعيد طباعة الكتاب في العام ٢٠١١، كتجديد وفاء وعهد لأبي عصام أبًا وشاعرًا يشار له في البنان، في الأصالة والشهامة والمروءة والوطنية والمواقف المشرفة، وللناس الذين أحبوه وعشقوا فنه، وما زالوا يتذكرونه بالخير رغم توالي السنين على وفاته.

يقول ابنه محمد هيبي في مقدمة الطبعة الأولى من الكتاب:"لقد راودتني فكرة تحقيق ما دونه أبي، الشاعر "أبو عصام"، من شعر شعبي، في ديوان خاص به، قبل وفاته بزمن بعيد. وقد تحمس كثيرًا لهذه الفكرة، عندما أطلعته عليها، إلا أن هموم الحياة ومشاغلها حالت دون ذلك في حياته، رغم أنني بدأت، قبل وفاته، فعلًا، بعملية جمع المواد وتخزينها في الحاسوب.أما وقد رحل عنا، فقد رأيت من واجبي أن أسرع عملية التحقيق، تحقيقًا لرغبته. فقي أيامه الأخيرة، وربما لأن هاجس الموت ودنو الأجل كان يراوده أحيانًا، كان يسألني كلما رآني:"وبن وصلت؟"وكنت أخبره، كلما سأل، أن العمل يسير ببطء، ولكنه يسير. وكنت أوكد له دائمًا أنني سأنجز هذا العمل، حتى وإن قدر له الا يراه.وقد كان يرتاح كثيرًا لسماع ذلك. وها هو القدر قد قال كلمته، وتوفي "أبو عصام"قبل أن يحظى برؤية ديوان أشعاره يخرج الى نور الحياة".

ويضم الكتاب بين ثناياه أشعار أبي عصام الشعبية الني قالها في مناسبات مختلفة، وتعددت موضوعاتها وأغراضها، فحاكى الوطن والأرض، وكتب في الغزل والنسيب، وعن القلم والفضائل والقيم الأخلاقية كالمروءة والسلوكيات العامة، وأفضال رمضان والأعياد، وحسن الجوار، والتسامح بين الناس، وعن الجود والكرم، وغير ذلك الكثير.

وجاءت أشعاره وأقواله في ألوان متعددة، في الميجنا والعتابا، والشروقي، والزجل، والحداء، والفرعوية، وعكست بمجملها شخصيته وثقافته وروحه الانسانية المرهفة.

ومن شعره، اقتطف هذه الأبيات من"حنين الى ميعار"، فيقول:

يا بلدي الحبيبة بتعرفيني
أنا ابنك وانت ربيتيني
ميعار كثير بتعزي عليي
أنا مشتاق ومتزايد حنيني
كل ما بتشوف روابيك عينيي
بتبكي من الجفا بدمعة حزينه
أنا بعرفك لأمثالي وفية
تبقى على العهد حرة أمينه
غزاة الوطن أخذوك سبية
قيدوني وقيدوكي أعذريني
كلما بتخيل روابيكي العلية
بأيام الطفولة بتدكريني
وأنا ألعب مع جيالي سوية
كنت في حنانك تغمريني

ويشتمل الكتاب كذلك على المقالات والكلمات التي كتبت عن أبي عصام قبل وبعد رحيله، وأشادت به انسانًا وشاعرًا ووطنياً كرس شعره في خدمة قضايا الشعب والوطن والحرية، وقضايا العمال والفلاحين الذين طالما غنى وأنشد لهم "عاش العامل والفلاح"،و"ما بيحمي الدار غير أهلها".

وأكثر ما استرعى انتباهي في الكتاب تلك القصة التي حدثت يوما مع أبي عصام على مفترق عين الراهيم التابع لأم الفحم، والتي تدل على شهامته وأصالته، وخلقه الحسن، والتزامه بكلمة الرجال.


واليكم الحكاية كما وردت في الكتاب:

عند مفترق عين ابراهيم، قرية صغيرة تقع بجوار المدخل الرئيس لمدينة أم الفحم، كان واقفاً ينتظر الباص أو أية سيارة تنقله الى الشمال باتجاه البيت في كابول.

 فجأة توقفت بالقرب منه سيارة، نزل منها رجل، تبدو عليه ملامح النعمة. إقترب الرجل من"أبو عصام"، حياه ثم قال:

بدي أجوز ابني بتاريخ كذا
مبروك سلف
بدي إياك تحدي في العرس
والله إلي الشرف...بس ممسوك في هذا التاريخ
قديش بتوخذ ع العرس؟
ثمانين ليرة
بعطيك مية وستين

إبتسم"أبو عصام"، دون أن يتكلم، بسمة فهم منها الرجل أنه استحسن العرض، ولكنه يطلب المزيد.راح الرجل يضاعف المبلغ، وبعد كل مضاعفة، يبتسم"أبو عصام"ولا يتكلم، إلى أن وصل المبلغ إلى ما يقارب العشرة أضعاف.عندها قال أبو عصام للرجل:

إسمع يا أخي...في هذا التاريخ أنا معزوم من شهرين عند زلمي فقير...ان شاء الله بحدي عنده ببلاش بتركش وبنتقل عندك لو بتصفطلي المصاري ذهب من هون لكابول.

عاد الرجل إلى سيارته دون أن يسأل"أبو عصام"الى أين وجهته".

وأنا على ثقة ويقين أن أبا عصام لو عاش في أيامنا هذه، حيث اللهاث وراء المادة وعبادة الفلوس، لكان اتخذ الموقف نفسه، لشهامته وأصالته، وهو الذي علم أبناءه وزرع فيهم الأخلاق والقيم وحب الناس والوطن والالتزام بالهموم العامة ونكران الذات، والوقوف مع شعبهم دانمًا.

لقد سعدت جدًا بهدية الصديق مروان هيبي، وسأحتفظ بها بين أسفار مكتبتي وأصونها كبؤبؤ العين.

فرحمة الله على أبي عصام، الحي الباقي باشعاره ومواقفه الأصيلة، وأمد الله بأعمار أبنائه وأحفاده وأحبائه.