كنوز نت نشر بـ 25/03/2018 07:51 pm  


صالح، هنا أبرتهايد


بقلم : جدعون ليفي هآرتس 2018/3/25 ترجمة: أمين خير الدين 


    
ربّما لم يقصدوا ذلك، الأمر أكبر من مقاساتهم وربما أيضا أكبر من تبجُّحِهم، لكنهم راقصو نظام الحكم، أو على الأقل المبشّرين به. تعلموا القانون وانطلقوا للعمل ("للخدمة") في المحاكم العسكريّة. ترقَوْا بالرُتَب وأصبحوا قضاة عسكريين. هكذا يُسمى الضباط- الليبراليون الذين يعملون في جيش الأخلاق كقضاة المُسْتَعْبَد في الأرض المحتلّة. عملوا في وِحْدة عسكرية تحمل اسما توراتيّا، "المحكمة العسكرية، يهودا"، وقرروا مصائر. من المؤكّد أنهم مقتنعون بأنهم يعملون في جهاز قضائي، كما علّموهم في الجامعة، فيه نيابة ودفاع، ويوجد أيضا فيه مُترْجِم.

تتمّ مُعْظم أعمالهم بعيدا عن الأعين، مَنْ في إسرائيل يهتمّ بما يدور داخل الكرافانات في عوفر. بعثوا آلافا من الأشخاص لآلاف من سنين الحبس المتراكمة، تقريبا لم يبرِّؤوا أحدا أبدا. لا توجد براءة في أماكن عملهم. صادقوا على مئات الاعتقالات بدون محاكمات، حتى أنه لا يوجد لمثل هذا الأمر في دولة القانون. يوم بعد يوم، بعد يوم آخر في المكتب. 
   

وفجأة وصلت إليهم عهد التميمي. تقريبا وقّع مليونا شخص في العالم على عريضة لإطلاق سراحها. كأن الأمر لا يعنيهم، موظفون مُخْلِصون للجهاز الذي وظّفَهم. حان الوقت لأن يردّوا له الجميل.هذه المرّة كشفوا الحقيقة عارية على الملأ: إنهم يعملون في نظام فصل عنصري (أبرتهايد). هم مبشِّروه. صائغوه. مقاولو تنفيذه. براغي صغيرة في ماكينة كبيرة، لكنهم يعكسون الواقع.
     
الضباط الثلاثة الذين حكموا على الفتاة في المحاكم المختلفة: الكولونيل [ألوف مشنيه] نتنئيل بنيشو، رئيس محكمة الاستئناف العسكرية – لا تنقصنا الألقاب هنا – هو الذي صادق على إدارة محاكمتها بسريّة ؛ الليفتنانت كولونيل [سغان ألوف] مناحيم ليبرمان، رئيس المحكمة العسكرية يهودا، هو الذي صادق على اتِّفاقيّة المرافعة والتي بموجبها تمضي عهد التميمي وأمّها ثمانية أشهر في الحبس بدون سبب أو بسبب شجاعتها، والليفتنانت كولونيل حاييم بليلطي، وهو الذي صادق على تمديد توقيفها حتى انتهاء الإجراءات. سيعيّنون في يوم ما في المحكمة العليا، كولونيل، ليفتنانت كولونيل وميجور الذين أعلنوا للعالم: أنه يوجد هنا أبرتهايد. فقط بالصدفة أن الثلاثة يعتمرون قبعات دينية [كيباه]، بالصدفة البريئة هذه، من غير المعروف مَن منهم مستوطن أيضا، وهذا أيضا لا أهميّة له. يعملون في المحكمة العسكرية التابعة للاحتلال ليدافعوا عن حقوق الإنسان في الأراضي المحتلّة، باسم الله خالق الأرض والسموات، ولتطبيق القانون، قانون الاحتلال. ما العلاقة بين قبعاتهم الدينية ومعتقداتهم السياسيّة. وما العلاقة بين معتقداتهم وبين عملهم الخالص، عديم الانحياز، العمل الذي يقومون به. ثمّة قُضاة في أورشليم، وفي عوفر أيضا، بالصدفة جميعهم متديّنون.
   
بعد قراركم بشأن عهد التميمي، لم يعد أي إنسان عاقل في العالم، وحتى في إسرائيل مشطوفة الأدمغة، يستطيع أن يدّعي أنه لا يوجد في الأرض المحتلة نظام عنصري. منظمة BDS مُلْزَمة بإرسال كثير من التهاني للضباط اللذين أزالوا الشكّ، ممَن كان لا يزال يراودهم الشكُّ. جهاز القضاء الذي يؤمن بأنه ثمّة قانون لليهودي وآخر للفلسطيني، بدون تردد، بدون تمويه، يستحقّ التقدير على وضوحه. جهاز القضاء الذي يدين جنديا أطلق النار على جريح فقتلة بشهر واحد أكثر مما أدان فتاة صفعت جنديا، هو جهاز يعترف بصراحة أن الصفعة بنظره تتكافؤ مع قتل الشخص الواقع تحت الاحتلال. فقط شهر واحد يفرّق بينهما. جهازلا يقوم بمجرّد التفكير بإيقاف، بالتحقيق، بالتقديم للمحاكمة ومن المؤكد أيضا لن يقوم بالحبس لشهور طويلة، لفتاة المستوطنات التي صفعت جنديا، رمت عليه زبالة، ثقبت عجلات سيارته، ألْقَت عليه الحجارة أو ضربته - هذا الجهاز حكم على عهد التميمي بثمانية أشهر سجن. هل يجب أن نضيف شيئا؟ لم يكن أمام محاميتها، غابي لسكي، إلاّ أن توافق على اتفاقيّة المرافعة. هي ايضا، كالمليوني إنسان في العالم، تريد أن ترى عهد التميمي حرّة.
    
ربّما تستحق عقوبة عهد التميمي. بفضل هذه العقوبة لا تستطيع إسرائيل ان تحتجّ أمام العالم على تهمة العنصريّة دون أن تثير القرف. الكولونيلات من يهودا كشفوا الحقيقة، الحقيقة المعروفة منذ زمن طويل: صالح، هنا أبرتهايد.