كنوز نت نشر بـ 22/03/2018 03:32 pm  



الاحتفالات بضرب المفاعل النووي السوري عمليّةَ صَرْفِ انتباه


بقلم : جدعون ليفي هآرتس، 2018/3/22 ترجمة: أمين خير الدين 

   
إن أكثر ما تتقنه دولة إسرائيل هو القيام: بأن تقصُف. وتعرف كيف تقوم بالتجسس أكثر مما تعرف أيّ شيء آخر، تعرف كيف تنسخ مخزون حاسوب في شقّة في فيينا، وكيف تبعث بطائراتها وتعيدها بعد تنفيذها مهامِّها الخياليّة تقريبا. لا يُمكِن عدم التأثّر من الشجاعة والاحتراف، من المخابرات، سلاح الطيران، الموساد ومِن إهود أولمرت. انتهت عملية "خارج الصندوق" بأفضل ما حلمت به إسرائيل. أريزونا*، عمليّة كانت تقريبا بلا ثمن. نجاح كبير في مقاسات النتيجة، رغم كل الأسئلة المزعجة عن الحياة على حدِّ السيف (الحياة على حدّ السيف تعني السباق على القتل والحرب – المترجم)، فقط على حدّ السيف، تظلّ دائما وقبل كل شيء القصف؛ تظلّ الأسئلة عن حقّ إسرائيل المسلّحة لحد الإجْهاد وعن إملائها على جيرانها بماذا يتسلّحون، وإلى متى يمكنها أن تتحكّم بالمنطقة فقط بقوتها العسكريّة.
  
 لكن الشجاعة والاحتراف اللذين ظهرا في سوريا لا يمكنهما ألا يثيرا التساؤل: هل المقصود نفس الدولة؟ نفس الجيش؟ نفس جهاز المخابرات، وخاصة نفس السياسيين والجنرالات؟ هل هناك دولتان إسرائيل، تلك التي تتجسس وتقصف، وتبدي شجاعة وحكمة، وأخرى، تتصرف بغباء، تخاف من نفسها، من ظلها ومن فتاة عمرها 16 سنة؟ كيف يمكن أن يكون ذلك، سياسيّون وجنرالات شجعان، يقودون مغامرات خطيرة كقصف سوريا، ويبدون أغبياء عديمي الرحمة في مجالات أخرى، لا تقلّ مصيريّا. أين اختفت الشجاعة والحكمة التي بدت في عمليّة "خارج الصندوق"، ولماذا عندما يتعلّق الأمر بالقصف يفكرون خارج العُلْبَة.
     
يلزم لقصف مفاعل نووي في سوريا كثير من الشجاعة. ويلزم لتنفيذ مثل هذه العملية قُدْرة ومهارة. وللمحافظة على نصف سريّة العملية نحتاج إلى كثير من الحكمة وكثير من التواضع والأدب. كلّ هذه الصفات تتبخّر عندما يتعلّق الأمر بمواضيع أخرى، كالاحتلال. تنعدم الشجاعة تماما، وتنعدم االحكمة، والتواضع والاحتراف. إسرائيل لا تخاف من قصف مفاعل نووي بعيد وفي الظلام، لكنها تخاف من فتاة عمرها 16 سنة وهي في السجن. تعرف ماذا عليها أن تفعل في المفاعل النووي، ولا تعرف ماذا عليها أن تفعل في الاحتلال، وهو يهدد مستقبلها أكثر من أي مفاعل نووي.
    
وأيضا بأقل من المخاطرة التي استعملتها في دير الزور كان يمكنها أن تكون اليوم في مكان آخر أفضل. المفاعل النووي أخاف إسرائيل وهدد مستقبلها كما ترى ؟ لكن قطاع غزّة يهدد مستقبلها بنفس المقدار وكذلك كل الاحتلال يهدد مستقبل إسرائيل. وماذا تعمل إسرائيل؟ لا شيء. لا تعمل شيئا. ليس هناك برامج، وليس هناك رؤيا، أو شجاعة، أو مستقبل. فقط يوجد ما هو موجود: حصار، عقاب جماعي، إستيطان، مخابرات في الملابس الداخلية لكل عميل، تنكيل وإساءة فقط. ليس هناك ضابط أو سياسي يحاول كسر قواعد هذه اللعبة، يفكر خارج العُلْبَة. انتهىت الشجاعة عند الضفة الغربية، وانتهت الحكمة عند قطاع غزّة. لا يُنفّذ شيء، سيكون أفضل. لكن إلى أين؟ ماذا سيكون بعد 20 سنة؟ مَنْ يعرف ومَن يهتمّ. بالضبط عكس ما يدور بالنسبة للمفاعل النووي. يبطلون قنبلة تدقُّ، ويتجاهلون وجود أخرى، أكثر قربا، وأكثر خطورة.
     

ربما تكون احتفالات النصر على المفاعل النووي السوري في الوقت المناسب، لكنها أيضا تحويل للأنظار عن تصرّفات أُخرى، لنفس الأشخاص. النشاز هو أولمرت، لأنه حاول أن يُظْهِر شجاعته في مجال خر. لكن أسهل على إسرائيل أن تبعث بثماني طائرات لتقصف بعيدا خلف الحدود من أن تُطلِق سراح فتاة بريئة من السجن. أسهل عليها أن تُخاطر بحرب مع سوريا، من أن تفتح أبواب قطاع غزّة على العالم وتعيد له حريّته ومكانته. أسهل عليها أن تتعرض لموجات من الصواريخ من أن تجمد البناء في المستوطنات، وحتى أسهل على مَن يعرفون أنهم سبب اللبلاء.
     
أريزونا الحقيقية، الأسم السري لنجاح العملية في سوريا، سيكون هذا الاسم الذي يُطْلَق بعد اكتشافات مشابهة من الحكمة والشجاعة بالنسبة إلى مواصلة الاحتلال. حتى نصل ذلك اليوم الذي لم يولد بعد فيه رئيس الحكومة، وزير الأمن رئيس الموساد، قائد الأركان العامّة أو قائد سلاح الجو الذين يتمتّعون بالشجاعة والحكمة اللازمة لذلك. كانت أريزونا الحقيقة ولا تزال حُلُماً.
----------
* إ أريزونا: إسم سري أُطْلق على عملية قصف المفاعل الذري السوري في دير الزور سنة 2007 - المترجم