كنوز نت نشر بـ 10/03/2018 10:39 am  


حدث هذا في حديقة الألعاب، بالقرب من المراجيح


محمد نوباني، ابن ال-14 سنة، اشترك مع عدد من أصدقائه في مظاهرة. حاول المتظاهرون الوصول إلى الشارع لكن الجنود ردّوهم باتجاه حديقة الألعاب. أطلق أحد الجنود رصاصة معدنيّة مغلفة بالمطاط مباشرة إلى عين محمد نوباني ففقد محمد القدرة على الرؤية بها، عاد هذا الأسبوع إلى المدرسة.


جدعون ليفي و أليكس ليبك هآرتس، 2018/3/9 ترجمة: أمين خيرالدين  
   

حديقة السفراء، عند المدخل الشمالي لمدينة البيرة. علم فلسطين يتسلّى في الهواء من على النصب الحجري المرتفع عند مفرق سيتي- هاين، يبثّ احتجاجا خياليا. 

المحل التجاري الجديد لإياد ومحطة الوقود الهُدى من ناحية، وقيادة التنسيق والارتباط التابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي ومستوطنة بيت إيل من الناحية الأخرى من الشارع. ورم داخل الاحتلال.
      
حديقة السفراء حديقة ألعاب ليست كبيرة تقع على حانب الشارع الرئيسي في البيرة. بها زلاّقات ومراجيح ملوّنة، وعدد من بسطات لبيع الحلويات مقفلة في الأيام العاديّة. ثمّة بنت تجلس على مقعد، وفتًى يتكلم في المحمول على المقعد المقابل، وصلت إمرأتان بسيارة مع أطفالهن. تبحثان عن الهدوء، في ظهيرة أحد أيّام الإسبوع.
    
بقايا العجلات المطاطية المحروقة في أحد أطراف الحديقة تخدش رؤية العين الهادئة، ومثلها جدارا لحديقة المسحوق، بالقرب من المراحيض المُهْمَلة، الملونة باللون الوردي. الآن هدوء هنا، لكن قبل شهر، يوم الجمعة 9 من فبروار/ شباط، أحد "أيّام الغضب" الأخيرة، كان يوما هائجا.
   
إتّجه عشرات الأولاد والفتيان نحو الشارع، يرمون الجنود الواقفين مقابلهم بالحجارة، كان حوالي 20 جنديا موزعين على التلال القريبة من الشارع، صدّوا الأولاد باتجاه حديقة الألعاب. أطلقوا كل أنواع النيران: االرصاص الحيّ، الرصاص المعدني المغلّف بالمطاط وطبعا قنابل الغاز، تراجع الأولاد والفتيان إلى حديقة السفراء، والجنود يلاحقونهم.
     
وقف جنديان على الجدار المسحوق، بالقرب من المراحيض الورديّة اللون، وأطلقا النار. كان ذلك حوالي الثانية ظهرا محمد نوباني، الفتى ابن أل -14، وقف في باحة الرمل القريبة من المراجيح، على بُعد حوالي 20 مترا من الجنديين. فجأة شعر بضربة قوية على وجهه. وانفجر الدم من عينه ومن وجهه. وضع يده بشدّة على عينه، يحاول تخفيف الألم. اسوّدّت الدنيا أمامه، أصابه دَوار لكنه بشكل ما ظلّ واقفا مكانه. لم يستوعب ما جرى. ولم ير الجندي الذي أطلق عليه الرصاصة المغلفة بالمطاط الأسود، وقد اخترقت مِحْجَر عينه وعلقت فيها. نقله أصدقاؤه من المكان. ثمّ نقلته سيارة الإسعاف التي كانت تقف قريبة كالعادة في كل مظاهرة، إلى المستشفى الحكومي في رام الله.
     
لا يوجد قسم للعيون في مستشفى رام الله، وبعد إسعاف أوّلي نقلوا الفتى الجريح إلى مستشفي رفيديا في نابلس. وهناك خضع لعمليّة جراحيّة لمدّة ثلاث ساعات في الليل وأخرجوا الرصاصة من عينه. وعلى ما يبدو لقد تقرر مصير عينه. بعد أربعة أيّام نُقِل إلى مستشفى العيون سان جون، في شرقي القدس، في محاولة يائسة لإنقاذ نظره.
   

يتلمّس طريقه


    
منازل الطبقة الوسطى في أطراف البيرة، في الشارع الأخير قبل مستوطنة بيسغوت. هذه المستوطنة، التي تتفاخر بمعصرة العنب التابعة لها، وببيوت القرميد الواقعة في الجانب الآخر من السهل على بُعْد مئات الأمتار، تهيمن على المدينة الفلسطينيّة ومغروزة على حدها بمناكفة وقحة، من كل بيت في هذا الشارع يرون مستوطنة بيسغوت عندما يفتحون الشبابيك.
     
استاد كرة القدم الدولي الفلسطيني يقع خلف صفّ البيوت الأولى. بيت الفتى المصاب بعينه يقع في أعلى الطابق الثالث من العمارة. أرائك مخمليّة بنيّة ونجفات بلون ملائم، مصطبة من الكراميكا اللامعة. الأب، أحمد، مقاول بناء يعمل في رام الله، عمره 48 سنة، الأم، نيفين ربة بيت بلباس تقليدي، عمرها 41 سنة. 

لديهما ثلاث بنات وولدَيْن. نوره 20 سنة وهي الكبرى، وجوري ابنة السنتين هي الصُغْرى، مع أقراط ذهبيّة في شحمة أذنيها. محمد هو ابنهما الرابع.

  
بعد قليل ينتهي العمل في بيتهم الجديد في قرية صردا القريبة من رام الله وعندئذ سينتقلون إليه. خلال بنائه جاء أحمد إلى موقع البناء، كما يقول، فوجد أن جنود جيش الدفاع الإسرائيلي قد ااستولوا على البناء الذي يُبنى ليكون بيتا. ، عندما حاول الاحتجاج، اعتقلوه لعدة ساعات. بعد مرورعدّة أيّام أخلى الجنود البيت. الأم، نيفين، تحذّرنا ألاّ نكشف لابنها حقيقة أنه فقد عينه. حتى الآن لم يقولوا له إنه فقد عينه، حتى الآن يحاولون إعطاءه الأمل.
  
اليوم الفتى في المدرسة. هذا يومه الأول منذ إصابته. تلميذ في الصفّ التاسع في مدرسة المستقبل للبنين في المدينة. يوم الجمعة قبل شهر، كان كالعادة يوم عطلة تناول محمد فطوره وذهب للصلاة في المسجد. عادة يذهب مع أبيه لكن هذه المرّة ذهب وحده. بعد الظهر قال إنه سيذهب ليلعب مع أصحابه، قريبا من البيت.
     
في الثانية ظهرا اتصل المضمّد الذي نقله إلى المستشفي بالأم وقال لها إن ابنها قد أصيب وإنه ينقله إلى المستشفى في رام الله. "أين أُصيب؟" سألته الأم وهى مفزوعة، قال لها المضمّد إنه قد أُصيب بعينه. هدأت قليلا. على الأقل هو حيُّ. استدعت زوجها على عَجَل وأسرعا إلى المستشفى ومن رام الله رافقاه إلى المستتشفى في نابلس.
      
الآن يقدّمان عيّنة الرصاصة المطاطيّة التي اخترقت عين ابنهما ومعها التقرير الطبي من مستشفى سان جون في القدس. أصابت الرصاصة على ما يبدو عصب البصر فعطّلته إلى الأبد. أخذوه هذا الأسبوع إلى طبيب عيون آخر، أخصائي بريطاني يعمل في مستوصف عنبتا بالقرب من طول كرم وهذا أيضا لم يحيي الأمل عندهما.
     
جرس الباب يرن، عاد محمد إلى البيت.يلبس قميصا سميكا مُنمّرا بألوان التمويه كما في الجيش، يعتمر قبعة كبوشية على رأسه، وحقيبة زرقاء على كتفيه، يجد صعوبة بإيجاد طريقه إلى الصالون. بلاستيك شفاف يغطي العين اليمنى المصابة، لكنه يضع يده على عينه اليُسرى، السليمة. لأنها تؤلمه. يبدو أنه من الصعب عليه أن يرى. يرفع رأسه عندما يتوجهون إليه، كأنه يبذل مجهودا ليرى جيّدا.
  
حَلْقَةٌ مُتْقَننة، صوته لم يتغير حتى الآن. يمرِّر يده على البلاستيك الذي يغطي عينه، مُحْرَج ومخجول من الأغراب الذين في البيت. "كيف كان في المدرسة؟" سألته أمّه فأجابها إنه شعر بألم شديد برأسه. يكاد يبكي، يقول إنه من الصعب عليه أن يفتح عينه السليمة. "حضَرتَ كل الدروس؟" سألته أمّه فأجابها بنعم. 

لكن كان صعبا عليه جدّا.


يرمش كثيرا وعينه السليمة تدمع. من الصعب الحصول على إجابات مسهبة منه. في يومه الأول في الدراسة بعد مرور شهر، لم يتحدّث معه أيّ معلّم أو أيّ مستشار عمّا حدث. "هل ترغب في العودة إلى المدرسة غدا أيضا؟" هذا ما سألته إيّاه أمّه فأجاب بأنّه لا يعرف.
   
"تبدو مضطربا"، قالت له أمه فأجابها: "صحيح، كل شيء غريب بالنسبة لي". قد تكون هذه الإجابة بسبب الأغراب الموجودين في البيت أو الألم أو العودة إلى المدرسة. رغم مرور شهر على الإصابة، يبدو أنه يعاني من الألم." أنت مضطر للذهاب إلى المدرسة، لقد خسرت كثيرا من المواد"، هذا ما قالته الأم وزوجها صامت.

لتشاهد المظاهرة


  
يختصر الفتى بوصفه لما جرى يوم الجمعة الأسود بالنسبة له. ذهب مع صديقه، ركضا ليشاهدا المظاهرة. هو لم يلق الحجارة. الطريق طويل - أكثر من كيلومتر هوائي – تفصل بين بيته على منحدر التلّة وبين حديقة السفراء التي أُصيب فيها. "وقفتُ وفجأة شعرتُ بضربة شديدة على وجهي. لم أصرخ، ولم أبكِ، لكنها أوجعتني كثيرا"، هذا ما قاله همسا.
     
ردّ الناطق بلسان جيش الدفاع الإسرائيلي على توجّه جريدة "هآرتس" هذا الأسبوع بأنه: "في 9 فبراير/شباط 2018 جرى إخلال بالنظام في ساحة في منطقة يهودا والسامرة في منطقة لواء "بنيامين". وقد استعملت القوّة وسائل لتفريق المظاهرات". وقال أيضا إنه " ليس لديه معلومات عن أي فلسطيني قد أُصيب، وإن وردت معلومات إضافيّة ستبحث جيدا".
   
محمد نوباني، فتًى عمره 14 سنة أعمى بعين واحدة. تخيّل أيّة مشاعر ستنمو عنده نحو مّنْ أطلق النار على عينه، بماذا سيشعر عندما يكبر"، يقول صديق العائلة ناصر شحاده، مواطن من مخيّم قلنديا القريب، وقد جاء لزيارة العائلة. "فقط عندما ينتهي الاحتلال سنرى جميعا بعينين إثنتين"، هكذا ينهي بعبارة أخيرة من نصّه.