كنوز نت نشر بـ 09/03/2018 08:49 pm  


إسرائيل ورقصة الديك المذبوح


بقلم الشيخ كمال خطيب


ما تزال المؤسسة الإسرائيلية، الحكومية والشعبية تعيش نشوة السعادة الغامرة بقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم 6/12/2017 بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، والاعتراف بها عاصمة إسرائيل الأبدية والموحدة. ثم كان الإعلان الرسمي للخارجية الأمريكية مساء الجمعة 23/2/2018 بأن هذا القرار سيتم تنفيذه بتحويل القنصلية الأمريكية في غرب القدس إلى سفارة مؤقته، ومزاولة السفير الأمريكي عمله بدء من يوم 14/5/ 2018 وليكون هذا التوقيت بمثابة مباركة وتهنئة لإسرائيل بعيد استقلالها السبعين 15/5/2018، حيث صرح نتنياهو أنه سيدعو ترامب لهذه الاحتفالية، وليكون السؤال هل كل ما يجري هو لصالح المؤسسة الإسرائيلية أم لا؟ وهل قرار ترامب ونشوة نتنياهو في محلها أم أن الأمر غير وعكس ذلك؟

 ليس هناك ما يدعو للفرح

هذا العنوان ليس من بنات أفكاري وإنما هو عنوان كلمة العدد والافتتاحية لصحيفة هآرتس العبرية يوم الأحد 25/2/2018 أي بعد يومين من إعلان تحويل القنصلية إلى سفارة والاحتفال الرسمي بذلك يوم 14/5/2018. 

إن افتتاحية صحيفة هآرتس، وهي الأكثر مصداقية عند نخب المجتمع الإسرائيلي بمثابة رد على تعقيب و تصريح نتنياهو على نقل السفارة واعتباره ذلك اليوم بأنه "سيكون يوم عظيم لشعب إسرائيل"، حيث يشير المحرر ويتساءل عن كيفية مساهمة نقل السفارة في إرساء السلام مع غياب أي بريق أمل للسلام يلوح في الأفق.

يخلص محرر صحيفه هآرتس إلى القول "هناك شك كبير بأن تكون خطوة كهذه تصب في مصلحة إسرائيل. وإذا كان ترامب يسعى بجد لمصلحة إسرائيل فلتكن هديته لها في الذكرى السبعين لتأسيسها خطة سلام حقيقية وعادلة".

بين يدي فشل أوسلو وضرب المسمار الأخير في نعشه والتي فعلها ترامب بقراره يوم 6/12/2017 باعتبار القدس عاصمة إسرائيل الأبدية والموحدة، وبين يدي حالة الغليان التي تسود الشارع الفلسطيني ضد السياسات الإسرائيلية والأمريكية ضد سياسات أبو مازن وسلطته، وبين يدي الرمال المتحركة والبراكين التي توشك أن تثور في المنطقة، والتي ستطيح بحلفاء إسرائيل من الزعماء العرب، فإن أفراح نتنياهو سابقة لأوانها، لا بل إنه فعلًا ليس هناك ما يدعو للفرح.

الأمير سعود والأمير وليام، تهنئة أم تعزية؟ 

مساء اليوم الجمعة 30/9/2016، اليوم الذي دفن فيه شمعون بيريز الرئيس الإسرائيلي السابق، حيث حضر الجنازة زعماء دول كثيرون كان في مقدمتهم الرئيس الأمريكي أوباما. وفي قراءته لذلك الحضور الدولي الرسمي، قال المحلل السياسي في القناة العبرية الثانية أمنون إبراموفيتش:" إن هؤلاء الزعماء لم يأتوا للتعزية بشمعون بيريز، وإنما جاؤوا للتعزية بدولة إسرائيل". 

إنه قصد بقوله أن إسرائيل تحتضر وستندثر بموت آخر الزعماء الطلائعيين والمؤسسين حيث يتبوأ المناصب القيادية فيها فاسدون ومرتشون، يقصد بذلك نتنياهو وبطانته. إن هذه النظرة السوداوية لتشير إلى حجم القلق الذي يساور العقلاء في الكيان الصهيوني على مستقبل دولتهم.

إنه نتنياهو الذي يمسك بدفة الحكم في إسرائيل بينما تلاحقه ملفات فساد ورشوة وسوء استغلال لمنصبه، هو الذي قال مزهوًا منتفشًا بأنه يعتبر قرار نقل السفارة الأمريكية رسميًا إلى القدس يوم 14/5 بمثابة تهنئة لإسرائيل في عيدها السبعين، وقال أنه سيدعو ترامب رسمياً لحضور هذه الاحتفالات.

ويوم الخميس 1/3/2018 أعلنت السفارة البريطانية في تل أبيب أن الأمير وليام ابن الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا وحفيد الملكة إليزابيث سيصل مطلع الصيف القريب في زيارة رسمية لإسرائيل، حيث يعتبر الأمير ويليام أكبر شخصية من العائلة المالكة الإنجليزية تزور إسرائيل منذ إقامتها، حيث لا ننسى أن بريطانيا واستعمارها الظالم لفلسطين كان وراء التمكين للعصابات الصهيونية باحتلال فلسطين وتهجير شعبها وأهلها في نكبة عام 1948.

وفي تعقيبه على إعلان الزيارة الرسمية للأمير ويليام، قال الرئيس الإسرائيلي ريفلين:" هذه الزيارة هي بمثابة هدية ومعايدة لإسرائيل في ذكرى قيامها السبعين".

بين يدي زيارة الأمير ويليام واعتبار زيارته معايدة لإسرائيل، و قرار أمريكا نقل سفارتها إلى القدس واعتبار ذلك معايدة لإسرائيل وتهنئة لها، فإنني تذكرت زيارة الأمير سعود بن عبد العزيز عام 1935 إلى القدس وهو الذي أصبح لاحقًا ملكًا للعربية السعودية، حيث فلسطين في تلك السنوات تعاني القهر من ممارسات جيش الاستعمار البريطاني وتواطئه مع العصابات الصهيونية التي بدأت تنشط في فلسطين.

ففي مدينة القدس الشريف التقى الشاعر الفلسطيني عبد الرحيم محمود مع الأمير سعود ، حيث ألقى بين يديه قصيدة تشرح سوء حال فلسطين والقدس والأقصى، واحتمالات ضياعها في ظل صمت وانخراس العرب والمسلمين فقال:

يا ذا الأمير أمام عينيك شاعر*** ضجت على الشكوى المريرة أضلعه
المسجد الاقصى أجئت تزوره *** أم جئت من قبل الضياع تودعه
وغدًا وما أدناه لم يبق سوى *** دمعٍ لنا يهمي وخد نقرعه

لم تمر سوى ثلاثة عشر عامًا من زيارة الأمير سعود إلا وفلسطين تحل بها نكبة ويضيع شطر القدس الغربي، ثم وبعد تسعة عشر عامًا أخرى يضيع ويُحتل ما بقي من فلسطين وكل القدس والمسجد الأقصى أي في نكسة 1967، لتصدق فراسة المرحوم الشاعر عبد الرحيم محمود من أن زيارة الأمير سعود كانت زيارة وداع قبل الضياع، بل قبل الخيانات والخذلان والتواطؤ كان يومها واليوم، وما صفقة القرن وإعلان ترامب عن القدس عاصمة إسرائيل الأبدية واطلاعه حكام السعودية على قراره سلفًا وموافقتهم عليه إلا خير دليل على ذلك الخذلان والتواطؤ.


وها نحن وفي ذكرى ضياع فلسطين السبعين، وإذا بأمير جديد يأتي لزيارة فلسطين بل ولعله سيأتي رئيس أكبر دولة في العالم وهو ترامب، يأتيان لتقديم صكوك الطاعة والدعم للمشروع الصهيوني، يأتيان في خضم ما تعيشه المنطقة من أحداث وتقلبات ولعلها مقدمات زلازل وبراكين ستجتاح الأنظمة العربية، وما تعيشه إسرائيل من اضطراب سياسي في ظل فضائح وملفات فساد مفتوحه بالجملة ضد رأس الهرم السياسي في إسرائيل وهو رئيس الحكومة نتنياهو.

ووفقًا وعلى نهج تساؤل الصحفي أمنون أبراموفيتش لما قال عن الزعماء المشاركين في تشييع بيريز، هل هؤلاء جاؤوا للتعزية ببيريز أم للتعزية بإسرائيل.

 وإنني أتساءل على منهج الشاعر عبد الرحيم للأمير سعود، هل هي زيارة للقدس وفلسطين والأقصى أم هو لقاء وداع قبل الضياع، و للأمير ويليام حفيد ملكة العرش الإنجليزي، المسؤول الأول عن وعد بلفور وعن نكبة فلسطين، هل هي زيارة تهنئة بالعيد السبعين أم أنها زيارة الوداع ولسان حالي أقول له وللرئيس ترامب:

يا ذا الرئيس "ترامب": هذا الكيان أجئت تزوره ***أم جئت من قبل الضياع تودعه
يا ذا الأمير "وليام": هذا الكيان أجئت تزوره*** أم جئت من قبل الزوال تودعه

إن سوداوية المشهد للواقع والمستقبل الإسرائيلي كما عبّرعنه قادة سياسيون ومفكرون وأمنيون كبار، تجعلنا نميل للقول إن زيارة الرئيس ترامب والأمير وليام هي زيارة وداع. فلقد قال رئيس جهاز الشاباك السابق يوفال ديسكين في صحيفة يديعوت أحرونوت يوم 20/5/2015 حين شبّه الحالة الإسرائيلية المتردية بالقول:" هل نحن في نهاية البداية أم بداية النهاية؟". ويوم 20/5/2016 قال المحلل العسكري في القناة الثانية الإسرائيلية روني دانيئيل:" أنا غير مطمئن أن أولادي سيكون لهم مستقبل في هذه البلاد، ولا أظن أنهم سيبقون هنا". 

وأما إفرايم هليفي رئيس الموساد السابق فقد قال في صحيفه هآرتس العبرية يوم 30/9/2016 :" نحن على أبواب كارثة، إنه ظلام ما قبل الهاوية". 

أما نتنياهو نفسه الذي يعتبره قسم من الإسرائيليين كشقي قوم صالح الذي طعن الناقة، فكان مصدر شؤم وشقاء على قومه، إنه هو الذي قال في شهر تشرين الاول 10/ 2017 وخلال ندوة دينية بمناسبة "عيد العرش"، إنه يعمل بجد لمواجهة التهديدات التي تواجهها إسرائيل، وأنه يعمل بكل طاقته لضمان أن تعيش إسرائيل بأمان وسلام حتى تحتفل بعيدها المئة، ولكنه استدرك وقال:" مع أن التاريخ لم يشهد أن دولة يهودية قد عمّرت أكثر من 80 سنه وهي دولة المكابيين ". نتنياهو يحتفي منتشيًا بقرار ترامب نقل السفارة إلى القدس ويعتبرها هدية لشعب إسرائيل في الذكرى السبعين لقيامها، وهو نفسه يستدرك بأن الثمانين هي أطول سنوات عمر عاشتها دولة يهودية على مدار التاريخ، فهل يريد نتنياهو اللعب بالوقت الضائع مدة عشر سنوات وهل نشوته هذه وصراحته بعلاقاته المميزة مع دول عربية سرًا وعلنًا، وهل إعلان نهاية أوسلو إلا رقصة الديك المذبوح، يؤديها نتنياهو قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.

 نتنياهو تأبط شرًا

كل المؤشرات والإرهاصات تؤكد إلى درجة اليقين بأن المنطقة مقبلة على حرب دموية قد تكون شرارتها غزة أو سوريا أو كلتيهما معًا.

فماذا يعني ولماذا الإعلان عن تكليف سبعة كتائب من قوات الإحتياط في الجيش الإسرائيلي بالانتقال لضبط الأمن في الضفة الغربية، حيث قوات الجيش العاملة هناك قد تنتقل إلى جبهة ملتهبة في أي لحظة.

ولماذا يصرح قائد الجبهة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، عن احتمال كبير لاندلاع حرب شاملة في الشمال خلال الصيف القريب.
ولماذا الإعلان عن بدء المناورات المشتركة بين الجيش الإسرائيلي وقوات أمريكية تعتبر الأوسع منذ العام 2001، في محاكاة لإنزال قوات خلف خطوط الأعداء كما يقولون.

ولماذا تقوم الجبهة الداخلية الإسرائيلية بإجراء تدريبات في المدارس والمستشفيات والسلطات المحلية وبشكل مكثف لضمان جاهزية السكان والجبهة الداخلية في حال اندلاع حرب في المنطقة.

وهل تصريحات المجرم بوتين يوم الخميس 1/3/2018 واستعراض ترسانته الحربية وتحديه كل من يهدد روسيا أو حلفاءها باستخدام أسلحة نووية ضده، إلا مؤشر خطير أننا بين يدي أحداث رهيبة ستشهدها المنطقة؟ .

إنها المؤسسة الإسرائيلية مثل سفينة يقودها ربان مشهور، حيث لن يكون مصيرها إلا الغرق وسط أمواج المنطقة العاتية. وإنها المؤسسة الإسرائيلية يقودها الثلاثي نتنياهو، بينت وليبرمان قد أصابها الغرور القاتل، ولعل هذه الخطوات والسياسات يظنها من يراها أنها قوية وصائبة، وهي في الحقيقة ليست إلا مثل رقصة الديك المذبوح، حيث يدور سريعًا قبل سقطته الأخيرة التي لن يقوم بعدها أبدًا.

رحم الله قارئا دعا لنفسه ولي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون