كنوز نت نشر بـ 01/03/2018 11:51 am  



صلاة الصيد في قطاع غزّة


بقلم : جدعون ليفي | هآرتس، 2018/3/1 ترجمة: أمين خير الدين 


    
 أجد نفسي أُفكّر بإسماعيل أبو غاليه. لا أعرفه. وأيّ من قُرّاء جريدة "هآرتس" لا يعرفه، وأشك أن أيّا في إسرائيل قد سمع باسمه. أحدّق بصورته، ربما تكون الوحيدة في حياته: محيّا فتًى، بسمة باهتة خجولة، حزين، حَلْقَةٌ مُرتّبة، وخلفه شبكة صيد أو شراع.
    
 أُمْنَع من أن أروي حكايته كاملة، لأن إسرائيل أغلقت قطاع غزّة أمام الصحفيين الإسرائيليين منذ اا عاما. ولا أعرف كثيرا عن حياته أو عن موته، ومع ذلك سأسمح لنفسي لأن أكتب عنه كي أرسم خطوطا لملامحه. ليس صعبا تخيّل حياة فتًى في أل-18 من عمره، صيّاد من غزّة، كما أنه ليس صعبا تخيّل كيفيّة موته.

قتله جنود سلاح البحرية يوم الأحد من هذا الأسبوع. أطلقوا النار على قاربه فقتلوه. هكذا بكل بساطة. صوّبوا أسلحتهم وأطلقوا النار على الهدف، كما درّبوهم. من المؤكّد أنه لم يشكل خطرا عليهم ولو للحظة. كيف يمكن لصيّاد غزّاويّ بائس في قارب متهاوٍ أن يشكّل خطرا على جنود سلاح البحرية المسلّحين والمزوّدين بسفينتهم المتطوّرة.
  
برّر جيش الدفاع الإسرائيلي عملية القتل بأن الصيّاد خرج عن المنطقة المسموح لسكان غزة الصيد بها. إسرائيل تسمح لصيّادي القطاع بالصيد ضمن مسافة ستّة أميال. هكذا حكم الرب الصغير الذي أنهى الاحتلال منذ زمن، المحتل غير المحتل. ومن يخرج عن المسموح - حكمه واحد. تخيّلوا مراقب البحر في تل أبيب، وهو يطلق النار على كلّ مَن ينزل إلى الشاطئ المُغلق للسباحة. انتهى الاحتلال الإسرائيلي في غزة، أمّا في البحر فلم ينته، ولم ينته على اليابسة. أو في الجوّ ايضا. في القارب الذي أعادوه إلى صيّادي غزّة، وجدوا آثار دماء وحقيبة للإسعاف الأولي.
   
 بحر غزّة هو الملاذ الأخير لها، ملاذ معيشة لكثيرين، في الأدب وفي الأساطير الصيّادون هم دائما فقراء. وفي غزّة أكثر فقرا. مرة، في زمن غير هذا الزمن، خرجت في ليلة صيف دافئة مع صيّادي غزة إلى قلب البحر. عدنا مع طلوع الفجر وأكلنا من الصيد وجبة لا أنساها. وأيضا أبو غاليه خرج بزورقه ذي المجاذيف- كما يسمون قارب الصيد في غزّة- إلى قلب البحر. أطلقوا النار عليه بعدما عبر الخط المسموح به. هل حذّروه؟ هل سمع؟ لن نعرف الحقيقة أبدا. 


يقولون إنهم أطلقوا النار في الهواء أولا، هكذا يقولون دائما. وحسب مُعطيات منظمة "بتسيلم"، اعتقل جنود سلاح البحرية في السنة الماضية 35 صيّادا، جرحوا عشرة، وقتلوا واحدا.
  
وأنا أيضا أفكّر بالجنود الذين قتلوا إسماعيل ابو غاليه. وبالربّان الذي أمرهم بإطلاق النار، والبحارة الذين أطلقوا النار. والمستقبل الذي ينتظرهم. وبإمكانيتهم الوصول إلى أيّ مكان. وأتخيّل المستقبل الذي كان ينتظر ضحيّتهم وما كان بإمكانة أن يعمل بحياته، عدا عن أن يبسط شبكة ويتمنى الخير. هل رأوْا ضحيّتهم قبل أن يطلقوا النار؟ هل حقا شاهدوه؟ هل فكروا بحياة ابن جيلهم من غزّة، وهو يحاول أن يترزّق من البحر؟ هل فكّروا به منذ أطلقوا النار عليه بدم بارد، صيّاد غير مسلح، فتى وسيبقى فتى إلى الأبد.
  
لم يكن أبو غاليه كاهنا ولا مستوطنا، لذلك لم تتأثر إسرائيل بمقتله؛ حتى أنها لم تهتمّ به للحظة. قَتَلَتُه ليسوا مخربين. هم جنود الجيش الأكثر أخلاقا وهو صيّاد حياته تساوي زعنفة السمكة التي يحاول اصطيادها، لم يكن لديه شيء في حياته، سوى محاولة يائسة للخروج إلى البحر المُغْلَق.
     
كان هذا كافيا بالنسبة لجنود سلاح البحرية لإعدامه. هل فكر أحدهم به بعدما قتلوه؟ هل فكّر أحدهم بوالديه وبإخوته، وبمصيره؟ هل حتى يتذكّرون أنهم قتلوا صيّادا، فتى، إنسانا؟

"إصعدوا بصمت، مع امتداد البحر، وغوصوا مع الجَزْرِ"، هذا ما كتبه نتان يونتان في أغنية صلاة الصيد التي غناها مئير بناي، في ذكرى إسماعيل أبو غاليه، ولن يرجع ثانية من البحر.