كنوز نت نشر بـ 28/02/2018 02:03 pm  



كيف استطاع جيش الدفاع الإسرائيلي أن يدفع الفتى الذي أطْلِقَت النار على رأسه إلى أن يقول إنه وقع عن الدراجة


هل يتوقّع منسّق أعمال الحكومة في الأراضي المحتلّة أن نصدّق أن الأطباء الذين عالجوا محمد تميمي، وأن والديه والنشيطين اليساريين دبّروا مؤامرة. أو أن التميمي المرعوب قال لمحققيه ما أرادوا سماعه.

بقلم : عميره هس .. هآرتس، 2018/2/27 ترجمة: أمين خير الدين 

  
أللواء يوآب مردخاي، منسّق أعمال الحكومة في الأراضي المحتلّة، يتوقّع أن نصدّق أن عشرات الفلسطينيين وعددا من الإسرائيليين دبّروا مؤامرة كاملة وحبكوا كذبة كبيرة كي يهينوا جيش الدفاع الإسرائيلي. وبناء على أقوال اللواء، ليس الكاذب فقط محمد التميمي إبن أل– 15 سنة. إنما الكاذبون هم والداه، وابناء حمولته الكبيرة في القرية وأصدقاء – منهم الناشط اليساري يونتان فولك، وقد كانوا بالقرب من تميمي عندما تسلّق على السلّم كي يرى ماذا يفعل الجنود الذين تمركزوا في البيت الخالي في قريته، وعندئذ أُطْلقت النار على رأسه وسقط يتضرج بدمه. وهل يكذب الأطباء خاصّة الذين عملوا ساعات كثيرة لإجراء عمليات جراحيّة للفتى ليخرجوا الرصاصة من جمجمته، مع إزالة قسم من عظام الجمجمة لإنقاذ حياته. عمليّا يدّعي المنسّق أن الفلسطينيين أغبياء، وأن كثيرين منهم اتفقوا فيما بينهم على كذبة يمكن كشفها بسهولة. هذا لو كانت ثمة كذبة.
    

يعتمد مردخاي على ما قاله التميمي لمحققيه من الشرطة يوم الإثنين الماضي، بعد ساعات قليلة من اقتحام قوّة عسكرية كبيرة قريته وبيته قبل الفجر، أيقظته القوّة من نومه واعتقلته. واعتُقِلت القوّة معه خمسة قاصرين وخمسة بالغين. في هذه الظروف: كان لا يزال في الظلام، نصف مستيقظ ومذعور، أفواه البنادق تحيط به، والهواء من حوله مُشْبَع بالغاز المسيّل للدموع وبروائح المياه العفنة التي لا تُحْتَمَل والتي رشّتها هذه القوّة العسكرية – في هذه الظروف أُخِذ محمد التميمي إلى التحقيق. من السهل التخيّل ماذا دار برأس هذا الفتى الجريح، ومن المتوقع أن يخضع لعملية جراحية أخرى في الأسابيع القريبة لإعادة عظام جمجمته. ربما يبقى في التوقيف لأسابيع طويلة، كباقي القاصرين الذين يعتقلهم جيش الدفاع الإسرائيلي والمخابرات العامّة [الشاباك]، وربما حالته الصحيّة تزداد سوءا. وقد لا يُطْلَق سراحه قبل موعد العملية الجراحيّة. وقد قال للمحققين ولممثلي الإدارة المدنيّة والارتباط، وقد تواجدوا في المكان لأسباب ما، ما أرادوا سماعه: بأنه أُصيب بعد أن وقع عن الدراجة.
    
تقوم قوّات الأمن بمئات الاعتقالات أسبوعيّا في القدس الشرقية وفي الضفّة الغربيّة. بدون اعتراض: أحد الأهداف هو الكشف عمَنْ يخطّط لأعمال عدوانيّة بالسلاح. والهدف الثاني جمع معلومات، وبسذاجة تامة، عن أكبر عدد من الأشخاص ومن النشاطات الاجتماعيّة والسياسيّة، حتى لو كانت معلومات تافهة جدا، وأحيانا مُرْبِكة، تُعْلَن فجأة - وأحيانا بعد ذلك بسنوات، وفي ظروف غير مُتَوَقعة: عندما يزمع الشخص على السفر إلى خارج البلاد أوعندما يُدْعى ل"محادثة" مع المخابرات العامّة، أو عندما يقدّم أحدهم طلبا لحرية التنقل أو تأشيرة مكوث لزوجته غير– الفلسطينيّة. وهدف ثالث (وليس ضمن جدول الأهميّة) وهو النضال العام ضد الاحتلال، وقد تحوّلت قرية النبي صالح لأحد رموز هذا النضال. يُمْنَع الفلسطينيون من إبداء معارضتهم للاحتلال، بأيّة طريقة كانت. ومع ذلك، وحسب شهادة ناجي التميمي، كان اثنان من أفراد القوة التي اقتحمت القرية أمس قد عرّفا عن نفسيهما كرجال مخابرات عامّة، وقالا أن القرية ستدفع ثمن نضالها ضد الاحتلال.
     
إحدى الطريق المتّبعة لردع مُنْظمّين مُحْتَمَلين للنضال العام هو إلحاق إيذاء شدّيد بمَن يشترك به: بدءا بالجروح وانتهاء بالقتل، شروط اعتقال أكثر صعوبة مما لاقى نير حيفتص، منع عن النوم، تكبيل مؤلم، تحقيقات مهينة، اتهامات سخيفة كعرض عدد من عبوات فارغة لقنابل الغاز المسيّل للدموع أو زيارة لمعرض الكتاب، اعتقالات إداريّة، اعتقال متواصل حتى انتهاء الإجراءات،غرامات باهظة.
  
 الاعتقالات الجماعيّة وجمع المعلومات جزء لا يتجزأ من السيطرة الإسرائيليّة على الفلسطينيين. لا زال كثير من الاعتقالات تُتِّبَع كوسيلة تحاول إسرائيل بواسطتها، بشكل مُنظّم، ضعضعة وتمزيق النسيج الاجتماعي الفلسطيني لإضعاف صموده. عندما يكون المعتقلون صِغارا في السنّ، تكون قدرة سجّانيهم أكبر، بواسطة قليل من "الصفعات"، وحالات من السجن المؤلمة مع ضغط نفساني، للحصول على ادانات عقيمة من القاصرين ، وعاى أوصاف وتبجّحات مبالغ بها. من السهل المناورة مع هؤلاء القاصرين ومن السهل قهرهم.
   
يتداول الفلسطينيون بينهم وبين أنفسهم حول اشتراك القاصرين في النضال ضدّ الاحتلال. الثمن الأخلاقي للنضال ثمين والاشمئزاز من الاحتلال عميق، وهو أثمن وأعمق من أن يجعل هذا التداول علنيّا، لكن الثمن الباهظ الذي يدفعه القاصرون وذووهم واضح للجميع. لا زال سابقا لأوانه لأن نقول أن رسالة كرسالة المنسّق ستشجِّع التداول وتجعله علنيّا، أو أنها تعزّز القائلين إن إسرائيل لا تتورّع عن استعمال أيّة طريقة للقهر، ولذلك لا مجال لمنع الفتيان من حقّهم في النضال.