كنوز نت نشر بـ 24/02/2018 10:33 am  



حتى تطلب الخروج من غزّة إلى خارج البلاد، يجب أن تلتزم بعدم العودة قبل مرور سنة

   
تشدد إسرائيل شروط السفر من قطاع غزّة إلى خارج البلاد عن طريق جسر أللنبي وتطلب من السلطة الفلسطينيّة أنتفرض على طالبي الخروج على التوقيع بعدم عودتهم إلى بيوتهم. حاليا السلطة ترفض التعاون

عميره هس 2018/2/23 ترجمة: أمين خير الدين 
 
وصلت هديل، إبنة أل-17 سنة، مع إخوتها الثلاثة القاصرين إلى حاجز إيرز. في اليوم السابق لذلك استلموا أخيرا التصريح الإسرائيلي بخروجهم من قطاع غزة إلى جسر أللنبي. لم تسمح إسرائيل لأخيهم البكر بالسفر معهم إلى أبيهم المقيم في السويد، وقد قامت هديل بدور الأخ الكبير المسؤول عن إخوتها الصغار. استقبلهم عند حاجز إيرز حُسام، ممثل مكتب التنسيق والارتباط الإسرائيلي، وطلب من الأربعة التوقيع على مستند بالالتزام بعدم العودة إلى بيتهم في القطاع قبل مرور سنة. التوقيع، وقد شُرِح إلى الأخت الكبيرة، على أنه شرط لخروجهم. وبدون خيار اضطرّت هديل على التوقيع باسمهم جميعا، على الرغم من عدم كونها الوصيّة عليهم، هذا بالإضافة إلى كونها قاصر.
     
لم تتصوّر هديل بأن توقيعها على الالتزام سيؤدّي إلى تشدد في تعليمات مكتب التنسيق والارتباط الإسرائيلي مع اللجنة المدنيّة الفلسطينيّة، وسيؤدي أيضا إلى أن تحاول هذه اللجنة رفض هذه التعليمات. هذه الحالة الخاصّة تسلّط الضوء على مشكلة أساسيّة تتعلق بمكانة اللجنة المدنيّة الفلسطينية، ومن مهامها استلام طلبات للخروج من قطاع غزّة من مواطنين فلسطينيين، ونقلها إلى الجانب الإسرائيلي ليوافق عليها أو يرفضها. السؤال الذي يطرح نفسه، وليس للمرة الأولى، ما هو الحدّ الفاصل بين التنسيق الضروري في الأمور المدنيّة والمتعلّقة بالسكان الفلسطينيين وبين التعاون المشترك بين ممثلي السلطة الفلسطينيّة مع التعليمات الإسرائيلية، الهادفة لتقوّيض الحقوق الأساسية للفلسطينيين.
إلتزام غير قانوني
     
إلزام قاصرين بالتوقيع على التزام كهذا هو إلزام له أبعاد غير قانونية، يقولون في جمعية "غيشاه*" [مسْلّك]، مركز من أجل حقّ التنقّل، إنه بفضل تدخّلهم حصلت هديل وإخوتها على تصريح الخروج. محامية الجمعيّة، أوسنات كوهين ليفشيتس، كتبت في هذا الصدد إلى النقيب ندّاف غلاس، المستشار القانوني لمكتب التنسيق والارتباط في غزّة، "ليست هذه المرّة الأولى"، وأضافت "يُلْزِم ممثلو مكتب التنسيق والارتباط قاصرين بالتوقيع على نموذج التزام، والصلاحية القانونية لنموذج الإلتزام هذا موضع شكٍ عندما يُفْرض على بالغين بالتوقيع عليه. فكيف بالنسبة لقاصرين، وحين يكونون وحدهم، ويُفْرَض عليهم التوقيع على هذا النموذج دون موافقة وتوقيع والديهم" وأضافت "من غير الضروري ذكر أن القاصر غير مؤهل بالالتزام بشيء هام ومصيري كعدم العودة قبل مرور سنة إلى بيت والديه في قطاع غزّة، وبموجب القانون ممنوع إجبار قاصر على التوقيع على نموذج له أهميّة قانونيّة، بدون موافقة ممثّل له".
   
وقد ردّ النقيب غلاس على كوهين ليفشيتس، إن التزام القاصرين الأربعة بعدم العودة ملغي عمليّا، وفي المستقبل، أوضح، بأن نموذج الالتزام بعدم العودة إلى قطاع غزّة خلال سنة، سيوقّع من قِبَل الوالدين أو الوصيّ على القاصر. وكذلك، كتب النقيب غلاس، "من أجل تأمين النظام السليم بالنسبة لهذا الموضوع بالذات وبالنسبة للتوقيع على الالتزام بشكل عام - تقرر التشديد على أن طلبات سكان قطاع غزّة، سواء كانوا بالغين أو قاصرين، بالدخول إلى إسرائيل من أجل السفر إلى خارج البلاد للبقاء لمدة طويلة ستنقل من صلاحيّات اللجنة المدنيّة ويُرفق معها مُسْبَقا نموذج التزام موقع قانونا. وإذا قُدّمت طلبات كهذه بدون نموذج موقع كما هو مطلوب – ستُرْفَض. وقد أُرسل إشعار بهذا إلى اللجنة المدنيّة".
    
منذ سنة 1997 وإسرائيل تمنع سكان قطاع غزّة من السفر إلى خارج البلاد عن طريق جسر أللنبي، بدون تصاريح خاصّة،تُعْطى بمقاييس، كان تقييد الحركة هذا جزءا من مجموعة من القيود التي وضعتها إسرائيل، وقد ازداد التشديد بهذه القيود بعد اتّفاق أوسلو وأدت هذه القيود إلى انقطاع سكان القطاع تدريجيا عن الضفّة الغربيّة. كانت هذه القيود محتملة، عندما عمل المعبر الحدودي في رفح على الحدود مع مصر بانتظام، وعلى وجه التقريب، كما كان يعمل سنة 97’. لكن في سنوات أل- 2000 وخاصة بعد سيطرة حماس على اجهزة الأمن في قطاع غزّة في 2007، أغلق هذا المعبر الحدودي لمُدد متواصلة. وازداد الوضع سوءا بعد سقوط حكومة الإخوان المسلمين في مصر في يوليو/ تموز 2013، وفي الوقت الحاضر يفتح المعبر لأيام معدودة في السنة.
  
وفي المقابل، منذ سنة 2007 منعت حكومة إهود أولمرت خروج الفلسطينيين عن طريق معبر إيرز بشكل جارف، باستثناء حالات إنسانيّة ملحّة (مرض، وفاة في العائلة، زفاف قريب من الدرجة الأولى). وتراخت هذه القيود قليلا مع الزمن، ومع أنه يُسْمَح لآلاف معدودة من مليونين من سكان قطاع غزّة بالخروج من معبر "إيرز". في شباط 2016 تقرر السماح لسكان القطاع بالسفر إلى خارج البلاد عن طريق جسر أللنبي، لكن بشرط أن يتعهدوا بعدم العودة قبل مرور سنة. هذا الشرط لم يُزْعج الأشخاص الذين وُجِّه لهم هذا التغيير: كالفلسطينيين المقيمين في الخارج، وقد "علقوا" في القطاع بعد زيارتهم له، أو الذين ينوون المكوث في خارج البلاد مُددا طويلة للدراسة أو العمل. وقد تم الاتفاق على هذا النظام بين اللجنة المدنيّة الفلسطينيّة والسلطات الإسرائيليّة، وقد صرحت جهة فلسطينيّة لجريدة "هآرتس". في حالات طبيّة، أوفي حالات الأكاديميين، الخارجين لمُدد قصيرة أو المسافرين لمناسبات عائلية كانوا معفيين من هذه الالتزامات.
     
ومع ذلك، لم تهتم اللجنة المدنية بأن تطلب من مُقدّمي الطلب ألّا يعودوا قبل مرور سنة. لذلك أُجْبِر المسافرون على التوقيع على التعهد في معبر إيرز أو أللنبي أو حتى في الباص الذي ينقلهم بشكل منتظم إلى امعبر أللنبي ( يُمْنَع المسافرون من التوقّف ولو لساعات في منطقة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية). ومَن يرفض التوقيع يُطْلَب منه العودة على أعقابه. بعد حالة هديل وإخوتها قدّم ممثلو اللجنة المدنيّة تقريرا لجمعية "غيشا"، ذُكِر فيه أن مكتب التنسيق والارتباط ضغط عليهم وطلب أن يضيفوا إلتزاما موقعا إلى طلبات السفر للخارج. إنّ مكتب التنسيق والارتباط يرفض بحث طلبات تصله بدون النموذج الموقّع، ويواصل موظفو اللجنة المدنية رفضهم على إجبار مقدمي الطلبات على التوقيع.
     
من خلال محادثات مع أشخاص يتوجهون لطلب المساعدة من جمعية "غيشاه" ومن أعضاء اللجنة المدنيّة، يتضح أن مكتب التنسيق والارتباط يوجّه مؤخرا اللجنة لتقديم طلبات سفر لخارج البلاد أكثر وأكثر من أجل "المكوث المتواصل"، حتى في حالات تُعْتَبَرعلى أنها حالات إنسانية، كالسفر لحضور زفاف أو زيارة مرضى. عمليّا، حسب التعليمات التي وصلت إلى اللجنة. على كلّ مَن يحمل فيزا للسفر إلى خارج البلاد مُلْزَم بالتعهد بعدم العودة خلال سنة.


على سبيل المثال، استأنفت جمعية "غيشاه" قبل شهر إلى محكمة العدل العليا باسم امرأة شابّة، كان أبوها وعمّتُها قد طلبا مرافقتها بالسفر إلى الأردن، حيث كان من المتوقع أن تُزفَّ إلى ابن عمّها. ومن خلال المفاوضات مع مكتب التنسيق والارتباط في غزة قيل لجمعيّة "غيشاه" بانه قد كُتِب على طلب الثلاثة بأنه "مكوث متواصل"، ويحتاج إلى توقيع وتعهد بعدم العودة إلى غزّة. وقد طلبت محكمة العدل العليا من مكتب التنسيق والارتباط إعادة النظر بموقفه من جديد، وقالت النيابة أنها لن تُصرّ على توقيع العروس، لكن عندما وصل الثلاثة إلى معبر إيرز، أُجْبِرَت العروس على التوقيع على تعهد بعدم العودة. وقد أدّى تدخّل جمعيّة "غيشاه" إلى إلغاء التعهد.

لزيارة الأب الجريح

     
ثمّة حالة أخرى تنظر بها "جمعيّة "غيشاه" تتعلّق بامرأة وولديها يقيمون في قطاع غزّة ويرغبون بزيارة الزوج والأب الموجود في تركيا، حيث أصيب هناك بحادث طُرُق. اعْتُبِر طلبهم في اللجنة المدنية الفلسطينيّة ك"مكوث متواصل" وليس ك"زيارة مريض"، لا يحتاج إلى تعهد بعدم العودة قبل مرور سنة.
 
من المعطيات التي أعطتها وحدة منسّق أعمال الحكومة في الأراضي المحتلّة لجمعيّة"غيشاه"، بموجب قانون حرية المعلومات، يبدو وجود فارق كبير بين طلبات سكان القطاع الذين يرغبون بالسفر عن طريق جسر أللنبي، وبين تلك الطلبات التي حظيت بالموافقة وتلك التي اسْتُغِلّت. في يوليو/تموز 2016 مثلا، قُدِّم 50 طلبا وحظي منها 26 طلبا بالموافقة، ولكن عمليّا سافر فقط ستّة أشخاص. في أغسطس/آب 2017 قُدّم 475 طلبا، حظي 169 طلبا منها بالموافقة ورُفِضَ 39 وعمليا خرج منهم 96 شخصا، منهم 28 قاصرا. لم يفسّر منسق أعمال الحكومة في الأراضي المحتلّة فيما إذا كان سبب هذا الفرق يتعلّق برفض التوقيع على الالتزام عند حاجز إيرز. كما أنه لم يصرّح عن عدد الأشخاص الذين طلبوا العودة من خارج البلاد إلى غزة خلال مدّة الالتزام ومنهم "للأسباب الإنسانيّة" والتي بسببها يمكن للموقّعين على الالتزام طلب العودة قبل مرور سنة.
   
وفي ردِّ على سؤال جريدة "هآرتس" ما هو المنطق من وراء الالتزام بعدم العودة، أجابت الناطقة بلسان منسق أعمال الحكومة في الأراضي المحتلّة: "في سنة 2016 اتُّخِذَ قرار لمساعدة سكان قطاع غزّة الذين لا يمكنهم الإيفاء بالشروط القائمة للسفر خارج البلاد مثل (المرضى، طلاب الجامعات والأكاديميون). وفي إطارهذا القرار، أُضيف شرط لسفر سكان قطاع غزّة عن طريق إسرائيل إلى خارج البلاد. 

ومن أجل تطبيق هذا القرار، يجب التوقيع على التزام بالمكوث المتواصل خارج البلاد لمدّة سنة. ولم يتغير نظام التوقيع على الالتزام منذ إضافة الشرط المذكور أعلاه. ومع ذلك، ومن أجل التنسيق وجدوى هذا الإجراء، تقرر مؤخرا نقلا كاملا للنماذج الموقّعة في الوقت المناسب". 

بينما يقولون في جمعية "غيشاه" أن الشروط التي "وضعتها إسرائيل وتغيّرها متى تريد" هي شروط صارمة، والطلب بالالتزام بعدم العودة قبل مرور سنة غير أخلاقي، وغير قانوني وغير إنساني.
  
حاليّا اللجنة المدنيّة، كممثلة للسلطة الفلسطينيّة، تصرّ على رفضها بنقل منسّق أعمال الحكومة في الأراضي المحتلّة لطلبات السفر لخارج البلاد مع التزام خطيّ بعدم العودة للوطن قبل مرور سنة. ومعنى هذا الموقف المبدئي هو عدم بحث طلبات السفر لخارج البلاد وأيضا التنازل عن السفر. 

لكن من الممكن أن الحاجة الإنسانيّة الفورية الملحّة للسفر قد تتغلّب على المبدأ وعلى الموقف الوطني، مما قد يدفع ممثلي السلطة الفلسطينية إلى الموافقة على التعليمات الإسرائيليّة.