كنوز نت نشر بـ 22/02/2018 04:42 pm  


مع باكورة الكاتبة الناشئة أسيل دار الحاج"أنت وطني"


بقلم:شاكر فريد حسن

أن تجد صبية أو فتاة في عمر الزهور، وطالبة على مقاعد الدراسة الثانوية تداعب الحروف وتراقص الكلمات وتغازل اللغة، ومهتمة بالقراءة، وتصدر كتابًا، فهو أمر نادر في هذا الزمن الأغبر، وعصر العولمة والتكنولوجيا وجنون الهواتف النقالة وهستيريا الفيسبوك وتويتر والتشات والواتس اب والماسنجر و...وو، فمثل هذه الفتاة نقطة ضوء في بحر هائج، وتستحق منا كل ثناء وتقدير وكل التشجيع.

أسيل دار الحاج كاتبة فلسطينية صاعدة وواعدة، قارئة بنهم، تعشق الأدب العربي، وتقرأ لغسان كنفاني وغادة السمان وأحلام مستغانمي، ومحمود درويش وسواهم من كبار المبدعين والمبدعات، وهي من مواليد العام ٢٠٠١في قريتها الفريديس، قضاء حيفا.

شغفت أسيل دار الحاج بالكتابة منذ الطفولة المبكرة، وهي الأن في السادسة عشرة والنصف من عمرها على مقاعد الدراسة الثانوية في بلدها. لقيت اهتمامًا من مدرستها وتشجيعًا من والديها، ونشرت بعضًا من كتاباتها النثرية، فلفتت الأنطار.

في العام المنصرم جمعت أسيل غلتها وما توفر لديها من نصوص نثرية ورسائل أدبية وخواطر وجدانية وذكريات، ونسقتها مثل باقة زهر واضمامة ورد، وأصدرتها في كتاب حمل اسم"أنت وطني"، ولقي أصداء طيبة بين جمهور القراء والأوساط الأدبية والثقافية.

الكتاب هو اصدار خاص، حرره جودت عيد، وصممت الغلاف الفنانة ندوى كبها، وطبع في مطبعة توب برينت بأم الفحم، وكتبت في الاهداء:"الى وطني الذي يسكننني وأسكنه..أحبك دون أي مقدمات..فقط أحبك".

ويلاحظ أن ثمة عشق بين أسيل وبين عروس البحر والساحل الفلسطيني ومدينة البرتقال الحزين"يافا"، ويتجلى ذلك في عدد كبير من النصوص، وقد كتبت على الغلاف الأخير من الكتاب:"لا يعنيني أحد سواك يا حبيبتي، فان كان الوطن قضيتي الأولى فحزنك قضيتي الثانية، لقد سقطت يافا قبل تسعة وستين عامًا حزنًا، لكنك لن تسقطي أنت يا صغيرتي...لن تسقطي ما دام قلبي بالذكر ليل نهار يرعاك".

أسيل دار الحاج هي الفتاة الثانية التي تصدر كتابها وهي في جيل السادسة عشرة من عمرها، وكانت سبقتها الى ذلك صديقتها الطالبة مها عبادي، ابنة كفر قرع، حيث صدر لها رواية"عيناك والاحتلال"، التي لاقت انتشارًا سريعًا ورواجًا بين جمهور القراء.

أسيل دار الحاج تكتب في أنماط ومجالات متنوعة ومختلفة، ولكنها تميل أكثر الى أدب الرسائل، التي تجيد وتبدع فيها، وقد خصصت فصلًا من الكتاب لها.

تتناول أسيل في نصوصها وكتاباتها هموم المرأة ومعاناتها من القهر والكبت العائلي والاضطهاد الذكوري، وتتطرق لظواهر ومسائل اجتماعية تسود مجتمعنا العربي، وفي مقدمتها المسألة الطبقية.


ورغم أن أسيل تقول عن كتابها أنه رواية نثرية، فقد أحسست وأنا أقرأة مستمتعًا، انه أقرب الى النصوص النثرية والخواطر الأدبية والمذكرات والرسائل والهمس الجميل، أكثر من أنه رواية نثرية، فهو يفتقد للمقومات والعناصر البنائية الفنية الأصيلة للرواية، بل أنه في الحقيقة نصوص تجيء بتصاميم نثرية وهندسية مختلفة، تتسم بالوضوح والشفافية والصدق العفوي، واللغة الشفافة الفاتنة.

فالرواية كما هو متعارف هي فن نثري وسرد قصصي، وشكل متطور لفن القصة القصيرة، في الطول والشكل والمضمون واللغة، وتتضمن العديد من الشخصيات المحورية التي لها أحاسيسها واندفاعاتها وانفعالاتها ودواخلها التي تميزها فيما بينها، وهنالك صلة وثيقة بين فنون السيرة، والمقامات، والرواية.

وكذلك فللرواية عناصر ومقومات ترتكز عليها، منها الراوي والشخصيات والزمان والمكان والعقدة والحوار والفكرة والحبكة والخيال والأساليب واللغة.

ومن جميل ما قرأت لها نصها"احبي رجلًا وليس ذكرًا"، حيث تخاطب الفتاة العربية وتقدم لها النصيحة، وهو نص يفيض رقة وجمالًا ووعيًا، ويدل على رؤية فكرية وتجربة حياتية وفكر متقدم منفتح ووعي اجتماعي وثقافي وتربوي، فلنسمعها تقول:"اياك والوقوع بحب رجل بارد غير مبال لحزنك. رجل لا تثيره الشدة في كلماتك، لا تعني له الموسيقى والكتب شيئاً، لا يشعر بعمق كلماتك ولا يجيد فهم تلميحاتك ونظراتك.

لا تحبي رجلًا لا تستطيعي الحديث معه حول الفضاء والكواكب، لا يفقه بالدين والسياسة شيئاً ولا يجيد النقاش.
أقصى أحلامه بيت يعج بالأطفال، لا يرى منك سوى جسد يستطيع مضاجعته بالحلال.
رجل يخجل من أن يمسك بيدك أمام الجميع وأن يناديك حبيبتي بدلًا من"أم العيال" يعيب عليك تصرفاتك الطفولية، ولا يستشعر حزنك ولا حتى غيرتك.
رجل يرى الرجولة بالشتيمة والصراخ، يهمه إنجاب الذكر لأن الفتاة تظل بالنسبة اليه"عار".
إياك يا عزيزتي أن تضيعي سنين عمرك مع رجل لا يضيع مثلك بالتفاصيل الصغيرة، لا يقدس القبلة الأولى، ينسى تاريخ حبكما ولا تعنيه أن يشاركك فرحة الفحص للطفل الأول.
رجل يفرض عليك أفكاره وحتى اختياراته، لا يحترم كيانك ولا يعطي قيمة لكلامك..رجل كهذا لا حب يحيا معه".

اسيل دار الحاج بكتابها"أنت وطني"تضع أقدامها وخطواتها الأولى على درب الابداع والكتابة النثرية، وانني أهنئها على اصدارها الأدبي الأول، وبا حبذا لو تمت طباعته بخط أكبر، لجاء برونق أكثر، ويسهل القراءة على أصحاب النظر القصير والخفيف.

تحياتي لأسيل والشكر الجزيل على نسختها من الكتاب، مع التمنيات لها بدوام العطاء والى الأمام