كنوز نت نشر بـ 21/02/2018 08:53 am  



مع قصيدة"الشام"للشاعر يوسف مفلح الياس


 
بقلم:شاكر فريد حسن


زهرًا نثرتِ على الأزهارِ يا شامُ
مع كلِّ فجرٍ أتى تزدادُ أرقامُ
كيفِ اصطبغتِ بلونِ الوردِ عن ألَمٍ
ماذا جنيتِ لتخبو فيكِ أحلامُ
هبَّتْ رياحٌ بطعمِ الملحِ من بَردى
ناحتْ غصونٌ وفوقَ النوحِ إيلامُ
أنتِ المليكةُ لاكَ الحزنُ معطفَها
تبكي بنيها بعتمِ الدربِ قد هاموا
ماذا سنكتبُ عن جرحٍ ألمَّ بنا
لا الشعرُ ينفعُ لا حبرٌ وأقلامُ

استوقفتني هذه القصيدة الرائعة والجميلة جدًا عن جرح الشام الدامي، للشاعر السخنيني الجليلي الفلسطيني، الصديق يوسف مفلح الياس، وهو مبدع مذهل في القول والمعنى، لم يأخد حقه من الاهتمام النقدي والتقدير الأدبي.

اعرف يوسف مفلح يوسف الياس منذ الصغر، من خلال مجلة الصغار"لاولادنا"، التي كانت تصدر عن دار النشر العربي، وكان محررها الياهو أغاسي، ورأس تحريرها لفترة من الزمن الكاتب والقاص مصطفى مرار.

وأذكر اللقاء الذي كان قد أجراه معه قاسم طربيه، عندما كان في الصف الخامس، ويومئذ اكتشف موهبته أحد مدرسيه الذي قال في حديثه:"في احد أيام المدرسة جاءني طالب اسمه(عمر)يشكو يوسف مدعيًا أنه يشتمه، عاتبت يوسف وسألته عن سبب شتمه لزميله، أنكر يوسف ادعاء زميله، وقال:"أنا لم اشتم عمر، ابن صفي، وانما قلت شعرًا فيه شتمًا"لعمرو"آخر..وهو:

وجهك يا عمرو فيه طول
                 وفي وجوه الكلاب طول

ولم اتمالك من الضحك عندما سمعت عمر الطالب يحتج مؤكدًا صدق شكواه ويطالبني بمعاقبة يوسف. أطرق يوسف هنيهة وما أدري والله انه سيقول هذا البيت من الشعر يرد فيه غضب عمر الذي لا يدرك بعد ما يقال:

أنت(هذا)ابن خير عباد الله كلهم

        أنت(هذا)التقي النقي الطاهر العلم

بحق، قال يوسف ما يعجز عنه الكثير، ممن هم في سنه، لقد ادهشني".

ومن بواكير يوسف الشعرية التي كتبها وهو على مقاعد الدراسة في الصف الخامس، مقطوعة شعرية بعنوان"رحيل"، ومقطوعة أخرى عرفانًا بالجميل لمن شجعه من المعلمين، قال فيها:

يا أستاذي يا حبيبي
         أنت للشعر رفيق
زلت عني كل همي
        أهديتني الى الطريق
علمتني هديتني
       أنت لي أحسن صدي
أنت قربي كل يوم
      وجعلت علمي الرحيق

وكبر الفتى وأصبح شاعراً كبيرًا معروفًا يتقن البحور الخليلية، ويشار له بالبنان، ويصدر ديوانًا شعريًا اطلق عليه"رسالة السندباد"، بعد أن طور أدواته الشعرية وأغنى تجربته بالمران والممارسة والقراءات الشمولية الواسعة والاستفادة من تجارب الشعراء الآخرين.

قصيدة يوسف مفلح الياس"شام"، تحاكي الواقع السوري، وتصور الجرح النازف الذي لم يندمل في هذا القطر العربي، ويتجلى فيها حبه الأثير وعشقه الفواح بالعبير للشام، مجسدًا مشاعر الحزن والألم والوجع والأسى للكوارث التي حلت بسورية، البلد العريق، حضاريًا وعروبيًا، وما أصابها من ويلات وحسرات، وتحمل في ثناياها معاني ومدلولات انسانية وطنية وقومية.

وهي قصيدة موزونة تعتمد القافية والبحور الخليلية، وتحفل بالمعاني المتينة والألفاظ الناعمة الرقيقة الجزلة، والموسيقى المبهرة ذات الايقاع الكلاسيكي.
يوسف مفلح الياس في هذه القصيدة ومجمل قصائده يتدفق بالكلام السلس اللطيف الأنيق، وتمتاز نصوصه بالرونق التصويري والتعبيري، ويؤثر في نفوس القراء والمتلقين، نظرًا لعفويته وصدقه وشفافيته ورشاقته النغمية وايقاعه الأخاذ، وانفعالاته الشديدة.

انها قصيدة تبدو فيها روحه الانسانية السامية، وعاطفته الوطنية الرزينة ورؤيته العميقة بابعادها الشعورية، وصورها المبتكرة المجنحة المتسمة بجماليتها وحيويتها ودفئها وعبقها الجليلي.

وغني عن القول، أن شاعرنا يوسف مفلح الياس يمتلك يراعًا ساحرًا يستحوذ المشاعر ويخطف الأفئدة، ولغته كثيفة تحمل عناصر الشعر الأساسية. ولعل أبرز ملامحه هو عدم التصنع في صياغة التعبير، والمامه بلغة الضاد، وتمكنه من البحور الشعرية، وقدرته على الابحار في لغة الضاد ومياهها دون أن يفقد توازنه، وينجح في انتقاء المفردات التي تنساب معه دون تعب وارهاق للقراءة والذهن.

انني اذ أحيي الصديق الشاعر يوسف المفلح، أتمنى له المزيد من الابداع والعطاء والمستقبل الشعري، مع أصدق مشاعر الوفاء، ودام يراعه وحرفه النابض بحب التراب والوطن والطبيعة والانسان والجمال.