كنوز نت نشر بـ 14/02/2018 10:08 am  



الخارطة السياسة للشرق الأوسط في ضوء مصالح الملكيات العربية المطلقة


رافق صعود الأمراء الشباب على قمة الهرم القيادي في الملكيات المطلقة العربية ( المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة)، في العقد الأول من القرن الـ 21، تصعيداً في سياسات تدخل هذه البلدان السياسية منها، والاقتصادية والعسكرية في شؤون الآخرين، على ما يبدو أنها تأتي في سياق جولات تهدف إلى تأمين توارث السلطة، الذي بطبيعة الحال يؤمن نفوذ الأُسر والعصب الحاكمة.

على ضوء مصلحة الملكيات المطلقة التي تصب في دائرة أضيق من المصلحة القطرية، ألا وهي مصلحة الأسرة الحاكمة، كيف يمكن قراءة الخلافات التي نشبت بين الملكيات المطلقة نفسها، وبين الملكيات المطلقة والآخرين؟ وكيف ستكون شكل الخارطة السياسية للشرق الأوسط في ضوء مصالح هذه الملكيات؟

الملكيات المطلقة


الملكيات المطلقة هي تلك التي يحمل فيها العاهل السلطة المطلقة والتحكم الكامل بأفراد الشعب وبالأرض. وفي العالم العربي فإن الملكيات المطلقة تتجلى بصورتها الواضحة في كل من: المملكة العربية السعودية، وقطر، والإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عمان.

 لا يعني هذا أن القائمة تقتصر على هذه الدول، فالأردن والمغرب على سبيل المثال، وعلى الرغم من تصنيفهما ملكيات دستورية؛ بمعنى أن البرلمان يشارك العاهل في الحكم وفق ضوابط دستورية محددة، إلا أن العاهل الأردني والمغربي يحظيان بصلاحيات واسعة تكاد تعطيهم صلاحيات وملكية مطلقة. ولكن هذه الورقة تركز على الملكيات المطلقة الواضحة في كل تعبيراتها القانونية على الأقل.

المملكة العربية السعودية


تنظر الأسرة الحاكمة في المملكة العربية السعودية إلى إيران كأكبر تهديد وجودي لها منذ نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979م، التي رفعت شعار تصدير الثورة وتعميمها وإسقاط الملكيات الإسلامية المطلقة. ومنذ ذلك الحين والسعودية تصوغ سياساتها بما يجنبها ويحميها من التهديد الإيراني.

استخدمت السعودية منهجية الحرب بالوكالة ضد إيران، فدعمت الجيش العراقي في حربه ضد إيران التي استمرت ثماني سنوات (1980-1988)، ومع اندلاع الحرب السورية عام 2011، دعمت السعودية الفصائل السورية المعارضة ضد سوريا كونها حليفاً استراتيجياً لإيران بالمنطقة.

تسلم ملك المملكة العربية السعودية السابع سلمان بن عبد العزيز آل سعود الحكم بتاريخ 23 يناير/كانون ثاني من عام 2015، وبعد شهرين من تسلمه بدأت السعودية برفقة عدة دول عربية في تاريخ 25 مارس/آذار من نفس العام بتنفيذ ضربات جوية في اليمن على الحوثيين (الذراع الإيراني في اليمن) تحت مسمى عملية "عاصفة الحزم".

إن هذا التاريخ يشكل نقطة تحول من الحروب بالوكالة إلى الحروب المباشرة، الأمر الذي قد يعني ارتفاع نسبة الخطر الإيراني على المصالح السعودية. من جانب آخر يمكن قراءة هذا التحول من باب تثبيت الملك سلمان بن عبد العزيز حكم أسرته، عبر إشغال إيران وإرهاقها في جبهات عدة، حتى لا يتسنى لها التسلل إلى الداخل السعودي وزعزعة استقرار الحكم الملكي.

تعزز الشواهد اللاحقة لتعيين محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود ولياً للعهد هذا الافتراض أو التحليل الاستنتاجي، فعلى المستوى الداخلي شهدت السعودية حملة اعتقالات واسعة طالت أمراء ووزراء ومسئولين ورجال أعمال. أما خارجياً، فقد بدأت قوات سعودية على الأرض مدعومة من الجو العمل في اليمن، إضافة إلى إلغاء مساعدات كانت مقررة للجيش اللبناني بسبب تنامي نفوذ حزب الله في لبنان.

يمكن القول مما سبق أن سياسة محمد بن سلمان أكثر عنفاً من سياسة أسلافه في التصدي لإيران وحلفائها، وهذا يؤكد الافتراض الاستنتاجي أن كل عملية توارث سلطوي يصاحبه سياسات أكثر عنفاً على المستويين الداخلي والخارجي بهدف تأمين عملية التوارث ونفوذ الأسرة والعصبة الحاكمة.

الإمارات العربية المتحدة


تشارك الإمارات حليفتها السعودية في طبيعة النظرة إلى إيران، وما يتبعه من حرصها على تأمين نفوذ الأسرة الحاكمة. وما يتم تداوله في الإعلام حول استحواذ الإمارات على جزيرة سقطرى اليمنية، يجعل تحالف الإمارات مع السعودية ضد قطر أمراً طبيعياً ويصب في المصلحة الإماراتية.

قطر


لا تختلف قطر عن غيرها في حرصها على مصلحة الأسرة الحاكمة، وعلى الرغم من أن إيران تمثل خطراً على قطر تماماً كما تمثله على غيرها، إلا أن قطر تعتبر قوة صغيرة بين قوى كبرى، مما يُفسر سعيها إلى إبرام سلسلة من الاتفاقيات سواء مع الولايات المتحدة الأمريكية أو مع إيران و غيرها. حيث يمكن القول أن هذه الاتفاقيات هي بالدرجة الأولى "حمائية". وإلا فما هو تبرير دعم المعارضة السورية ضد نظام الأسد والحفاظ على علاقة ودية مع إيران في الوقت نفسه!.


تتعامل قطر مع مبدأ " أن سلطات الوصاية ترحل في نهاية المطاف"، ومن هذا المنطلق تستعد قطر لكافة الاحتمالات التي من بينها رفع الدعم الأمريكي. وبالنسبة لعلاقتها مع إيران، فإن تهديدها بإغلاق مضيق هرمز أمام السفن الأمريكية أكثر من مرة، استدعى قطر للحفاظ على علاقة ودية مع إيران كون هذا التهديد إن تم، سيعني محاصرة قطر وقتل التبادل الاقتصادي القطري مع العالم.

فرضت السعودية والإمارات الحصار على قطر خوفاً من أن تضر المصلحة القطرية على مصالحهما، بمعنى أن المصلحة العربية، أو في نطاق أضيق (المصلحة الخليجية) تتلاشى أمام مصلحة الأسرة الحاكمة.

سلطنة عمان


تحافظ سلطنة عمان على علاقات ودية مع كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإيران. من جانب آخر امتنعت عن المشاركة في "عاصفة الحزم"، إضافة إلى أنها ما زالت تحافظ على علاقات ودية مع النظام السوري والرئيس بشار الأسد.

سلطنة عمان هي ملكية مطلقة، وهي تماثل قطر في الحجم السياسي، والتفكير الُقطري وطريقة صياغة سياساتها. تشترك السلطنة في حدودها البحرية مع إيران واليمن، ولذلك تنتهج سياسة من شأنها أن تجنبها أي خطر ممكن من الجهتين.

كشفت عدة وكالات عمانية عن تدخلات إماراتية في العملية السياسية في عُمان، وتحديداً في مسألة خلافة قابوس بين سعيد سلطان عُمان. وكانت مسقط قد اتهمت أبو ظبي بالضلوع في إدارة شبكات تجسس في الجيش العماني.

في قرار مفاجئ اتخذته سلطان عمان مع بداية عام 2017م، انضمت مسقط إلى التحالف الذي تقوده السعودية والمعروف باسم "التحالف العسكري الإسلامي"، ويمكن فهم هذا القرار في سياق تحقيق توازن مرحلي في العلاقات العُمانية مع دول الجوار في سبيل تأمين عملية التوارث السلطوي في هذه السلطنة الخليجية خصوصاً في ظل الأنباء التي تتحدث عن مرض قابوس.

خاتمة


تمثل مصالح الملكيات العربية المطلقة فاعلاً أساسياً في الخارطة السياسية للشرق الأوسط، فتوافق السعودية مع الولايات المتحدة الأمريكية في رؤيتها الأخيرة للقضية الفلسطينية على سبيل المثال تأتي في سياق مصلحة الأسرة الحاكمة (آل سعود).

مع كل عملية توارث سلطوي في هذه الملكيات، أصبح متوقعاً أن يكون هناك سياسات أكثر عنفاً فيها سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي كونها تكون تحت المجهر في مرحلة التوريث ومن الجميع، حتى من الدول الخليجية الملكية الأخرى. وعلى ضوء ذلك فإنه ليس مستغرباً في المستقبل أن تتدخل الإمارات في الشأن الداخلي السعودي أو العكس، إن كان من سيتوارث الحكم سيؤثر سلباً على مصالح الآخر.

على ضوء ما سبق فإن المصلحة العربية، أو في نطاق أضيق (المصلحة الخليجية) تتلاشى أمام مصلحة الأسرة الحاكمة. ومن التحولات والتغيرات التي تشهدها الخارطة السياسية في الخليج وعلى أثرها الشرق الأوسط، فإن سلطنة عمان سيكون لها نصيب كبير من هذا التغيير مستقبلاً، خصوصاً في ظل تزايد الحديث الإعلامي حول مسألة تناقل وتوريث السلطة فيها.

 هذا يعني مزيداً من التوتر وعدم الاستقرار في اليمن على وجه الخصوص. وبلا شك فإن سوريا ولبنان لا يمكن فصلهما عما يحدث في اليمن.

تخدم مصالح الملكيات العربية المطلقة الرؤية المشتركة للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، فتقاطع المصالح وفر لواشنطن وتل أبيب الكثير من الأدوات، التي من شأنها أن تسرع في تنفيذ رؤيتها لخارطة الشرق الأوسط على أرض الواقع. وبالنهاية يمكن القول أن مصالح هذه الملكيات تمثل أدوات مجانية بيد القوى التي تعمل على إعادة رسم الشرق الأوسط.

فادي قدري أبو بكر

كاتب وباحث فلسطيني