كنوز نت نشر بـ 06/02/2018 10:45 am  


جواب مُبْهم للاجئ فلسطيني


بقلم : جدعون ليفي هآرتس، 2018/2/4 ترجمة: أمين خير الدين 


 بدا لي أن رجْفّة قد سرت بجسمه، عندما طلب حقّ الكلام. بدا مُنفعلا. فقط أراد أن يسأل: "كيف تشعر وأنت تعيش على أرضنا، وفي بيوتنا؟". كوفية على كتفيه، كان الوحيد في الغرفة مع كوفيّة، صاحب شركة أردنيّة للعلاقات الاجتماعيّة، وقد خطّ الشيب شعره. تردد أصحاب الدعوة في دعوته. معروف عنه أنه المتطرّف بينهم. سُرِرْتُ بمجيئه. قال إنه لم يلتق إسرائيليا بحياته. زوجته لم تأت. لم يكن باستطاعتها ذلك.

  
كانت غرفة الضيوف الواسعة في حيّ الرابية في غرب عمّان مساء يوم الثلاثاء الماضي مليئة باللاجئين الفلسطينيين، من الذين وُلِدوا في الضفة الأخرى من النهر. 


يلتقون مرّة في الأسبوع، يجري اللقاء كل مرة في بيت آخر، بورجوازيون من أبناء الجيل الثالث يشيخون برفاهية في شتاتهم. بعضهم طُرِدوا أو هربوا من بلادهم وهم أطفال صغار عام 1948، آخرون اضطرّوا للنزوح عام 1967. 


نظّموا حياتهم من حينه، أثرياء وذوو مناصب، بعضهم يقرأون جريدة "هآرتس" باللغة الإنجليزية. مُعظمهم شطبوا الماضي وتابعوا مسيرتهم، لكن أحدا منهم لم ينس، وربّما لم يغفر. في إسرائيل لم يُقَدِّروا حِدة هذه المشاعر والأحاسيس وكم هي عميقة. يمكن ااتهام الفلسطينيين بالتّمرغ بماضيهم، ويمكن القول إنهم ساهموا بتقرير مصيرهم، لكن لا يمكن أبدا تجاهل مشاعرهم.
      


لا مجال للمقارنة التاريخية: من الصعب المقارنة بين نَهْب مواليد منذ مئات السنين مع نهب أُناس لا يزالون يتذكرون البيت الذي يسكن به الآن أغراب؛ بينما حظي يهود أوروبا ويهود الدول العربية بوطن جديد وبعضهم حصل على تعويض. ولا جدوى من هدر الكلام عن المقارنة الفارغة للفئة الضئيلة من المستوطنين الذين أُخْلُوا.

    
السؤال الذي أُثير في صالون بيت الرسام الفلسطيني الوطني المرحوم إسماعيل شمّوط وأرملته، الرسامة تمام الأكْحَل، وتردد داخل جدران البيت المغطّاة بالرسومات. وفي لحظة انفجر السؤال الأساسي وبان على حقيقته: كيف يمكن العيش على أرض مسلوبة من آخرين. ساد صمت ثقيل في فراغ الغرفة. كان هناك من شعر بعدم الارتياح: ليس من المفضّل إحراج الضيف.
  

من غير المؤكد أنه يوجد جواب. يجب الاعتراف بذلك. لليمينيين، للمتطرفين وللعنصريين، ولمَن يعتقد أن هذه الأرض لليهود، وأن إبراهيم تجوّل فيها وامتلك فيها مغارة أو أن الله وعدّ بها، لا توجد مشكلة للإجابة. ويمكن أيضا أن يدّعي بأن اليهود كانوا دائما يحلمون بالبلاد، ولكن للحقيقة أنهم لم يهتمّو أبدا بالإقامة بها بأعدادهم. يمكن القول، وبحقّ، أنه لم يكن لليهود مكان يهربون إليه من الكارثة- لكن هذه ليست إجابات بالنسبة للرسامة الأكحل، الرسامة التي لم تسمح لها رسّامة إسرائيلية تسكن في بيت طفولتها في يافا القديمة، طردتها شرّ طردة ولم تسمح لها بزيارة بيتها منذ سنوات عديدة.
    

السائل حدّد السؤال: "أريد أن أفهم كيف تعيش في إسرائيل". أجبته أنه ينتابني أحساس عميق بالذنب نحو أبناء شعبه وينتابني شعور بالخجل. ليس فقط بالنسبة لعام 1948، إنّما خاصّة بالنسبة لما لا يزال يحدث منذ ذلك التاريخ، لقد استمر نفس النهج الفكري الصريح للنهب في عام 1948، والذي لم يتوقّف أبدا. وبعد ذلك رويت له عن أبي، ألذي خضخضته سفينة المهاجرين السرية وغير القانونية. في البحر وعن أُمّي التي هاجرت في إطار هجرة الشباب. ولم يكن أمامهم إلى أين يهربون، باستثناء البلاد والتي لم تكن في حينه بلادهم، وليس أمامي إلى أين أغادر،لأن هذه البلاد الآن أيضا بلادي. "لكنك تسبح كل صباح في بركة موجودة على أرض ليست لك" واستمر بما عنده، فصمتُّ.
   

في الحقيقة ليس هناك ما يمكن الإجابة به. بالنسبة لهم هذه أرضهم التي أُخِذَت منهم بالقوّة. ليس هناك طريقة لنكران ذلك. تكتنف إقامة الدولة ظلال أخلاقية ثقيلة، حتى لو لم يكن بالإمكان منعها وحتى لو كان لها ما يبررها. ينبغي أن نتعوّد العيش مع ذلك. وخاصّة يجب استخلاص النتيجة الوحيدة الصارخة: يستحق الفلسطينيون التعويض عن الإجحاف وذلك بفتح فصل جديد، يقوم كلّه على العدل والمساواة في هذه البلاد.