كنوز نت نشر بـ 04/02/2018 08:23 pm  


لدموع لم تسقط..



قصّة قصيرة


بقلم: شهربان معدي

الزمن..؟ حطاب نشيط، يسحق الأخضر واليابس..
والدنيا..! يوم لكَ ويوم عليكَ!
والشِدّة مهما دامت، ستزول يوما ما..

فلماذا ننظر إلى هذا العالم الكبير من خلال ثقب إبرة، ونستسلم لليأس..؟ ونغلق عيوننا، لنغرق في شبر ماء عند أول فشل يعترينا.. بينما تمرُّ أمام أعيننا أفراح كثيرة، ولكننا نغفل عنها..

أمي.. حبيبتي؛ اشتقت إليّكِ كثيرًا، اشتقتُ لعطر ثيابك، لمُعين حنانك، لحرير يدك التي كانت تمسح جبيني كل صباح.. فكيف تجاسرتُ أن افعل هذا بكِ.. وبنفسي.. سامحيني.. سامحيني يا أمي..

 ليتني استطيع أن أروّض كل هذه المسافات التي بيّننا وارتمي بين ذراعيكِ، ليتني أخرج من هذا الجحيم، ولوْلهنيهة، لأنحنيّ وأُقبّل قدميّك، واطلب منكِ المغفرة..

أُمي..! أنا اعلم أنه ثمة شيء لن يبرر فعلتي الشنيعة، وثمة مساحات مهما صَغُرت، لن تختصر العذابات التي سببتها لك ولرفيقة طفولتي وصباي، لأُختي يــــــارا! ولكنني لن اتكئ على الماضي، وأخلق الحجج الواهية، والبراهين الدامغة، لكي ابرر لكم فعلتي السوداء..


 في تلك الليلة المشؤومة، ليلة العيد، كنت سعيدًا وسعيداً جدا، كانت شبابيك قلبي المُشرّعة؛ ترقص على شرفات بيتنا المُعطّرة بضحكات أختي يارا، وتتمايل مع أغصان شجرة الجُميز الكبيرة، وتسابق الريح مع أرجوحتنا، أرجوحتنا الشقية، التي طالما..! لمسنا بهدهدتها الغيوم..

وكنت البس بدلة العيد، وانتظر أصدقائي، فلا بد من "طفشة العيد" وسهرة العيد التي كنا قد خططّنا لها أنا وأصدقائي، وهي..! لن تكلفنا الكثير.. لأننا قررنا أن نقضيها، عند احد الأصدقاء الذي سافرت عائلته لقضاء إجازة العيد في احد الفنادق..

 لن أنسى قط وجه والدي عندما طلبت منه مبلغا من المال وإذنًا لاصطحاب أصدقائي الذين كانوا ينتظرونني، بجانب جدار بيتنا الجديد.. ولكن سرعان ما اختفت آثارهم، عندما سمعوا سب وشتم والدي، حيث وصفني بالأبله والأحمق، وشبّه أصدقائي، بأولاد الشوارع..

 تمنيت لو أن الأرض تتشقق وتبتلعني، عندما صفعني دون سابق إنذار، وأمام أصدقائي..!؟ وذكّرني كيف ضبطني أُدخن برفقتهم قبل عدة أيام.. وأمرني بالانصراف لغرفتي، لوقت غير معلوم..

دلفت لغرفتي، أجهش كطفل صغير، كنت بحاجة لأحدهم بأن يضمني لصدره، يشد من أزري؛ ويمسح دموعي.. كنت بحاجة لك يا أمي.. لطالما كرهت خوفكِ من والدي! هذا الخوف الجُبان، وتهديده المُتواصل لكِ بالطلاق، جعلك نصف إنسان، وجعلك تتنازلين عن لعب دور "بوز المدفع" الذي تجيده جميع الأُمهات.. وجعلني استخف بعمري الوحيد، الذي وهبتني.. وليتني لم اسّتخف..

لقد انهارت حياتي، كانهيار جليدي عظيم، بعد هذا السيناريو الذي تكرر المرة تلو الأخرى، أمام أصدقائي، وأمام كثير من معارفنا وكنت لا تنبسين ببنت شفة، سكوتك يا أمي ومُراعاتك لسلامة البيت جعلتني ادفع عمري، ثمنًا باهظًا..

"ليتهم معشر الآباء يدركون، أن السلطة الأبوية الصارمة، تجعل خواتم الفرح مُغلفة بالموت والفناء، بسبب خوفهم على أولادهم، وبسبب صلفهم واستبدادهم.. والاختبار الصّادق في الحياة، يُقاس بالأبوة الكريمة والأمومة الفاضلة، لا بالعدوان وإيذاء الروح..."

 كان في داخلي مرجلًا يغلي، بعد صفعته المُفاجئة، قفزت من الشُّباك، وقررت أن أضع حدًا لكل هذه المهزلة، والدي..! لم يترك لي أي خيار..

كان القمر، بدرًا والسماء مُرصعة بالنجوم، عندما تسلّقت شجرة الجُميز الباسقة، التي كانت تُظلل باحة ساحتنا الخلفية، وكانت نسمات الليل الناعمة تتلاعب بأرجوحتنا الغالية، أرجوحة الطفولة والصبا، التي تشهد على شقاوتنا، وبراءة طفولتنا، أنا وأختي يارا..

حنانيك يا رباه! هل أغفلت عيونك الكريمة عني، عندما رفعت حبل الأرجوحة المتين، لأطوّق بها عنقي البائس! حتما لا..! أنا الذي عَمِيَتْ بصيرتي، وغاب صوابي..

 وشعرت به.. فوق رأسي، هو لم يتخل عني، كان يهمس لي: توقف، توقف! وكان عبقه الغامض يملأ الأثير والليل المُخملي، ولكن كلمات والدي التي تحوّلت لمدية ساخنة اخترقت أحشائي، كانت تقول: اذهب للجحيم! أنت لست جديرا بهذه الحياة.. كلماته أسقطتني في هذا العالم الغامض..

وأجفلت عن نداء الله الذي كان يهمس في أذني؛ كما أجفلت عن سحر تلك الليلة المُقمرة..

سَرَتْ دوْخة في قدميّ، عندما سقطت على الإسفلت المُلون، الذي ندّاه الفجر، كنت أتألم كثيرا وكل عضو في جسدي كان يبكي.. لماذا قسوت على نفسي هكذا؟ لماذا لم أرفق بروحي المُشتّتة! لماذا لم اصبر وأتجلد! وفقدت الأمل.. لماذا لم أتحلَّ بالصبر! أليس الصبر أجمل حلية نتحلّى بها؟ لماذا فقدت ثقتي بالله..!؟


"هذا العبث الصّبياني بمفهوم الموت، جعل الملايين مثلي، ممن عبثوا بشريعة الله، يظنون أن الموْت هو صمام التفريغ الوحيد، الذي سينقذهم من أزماتهم الآنية! هذا الحدس المُر، جعلهم يستهترون بتدفق الأيام، ودموع الأُمهات، ورحمة الله.. ليرموا أنفسهم على الرّمضاء، في سراب لا يعثرون فيه على موطئ قدم، ليكفّنوا أحلامهم بالموت والفناء.."

هنا..! أنا وحدي اقتات حُزني.. أهيم في تخوم الضياع، بلا مأوى، وبلا مُعين، ومعي بحر متلاطم من الأجساد البشرية ، نتهادى في الفراغ، نُحلّق في سراب لولبي ، بعدما أن انفصلنا عن الزمان والمكان..

وعزائي الوحيد يا أُمي، انه معي كثيرون من الشّبان، الذين في مثل سِنّي، والذين اختاروا الموت، ليعبروا عن احتجاجهم الصامت على قسوة هذا العالم..

شُبان مثل أزهار الربيع، تمردوا على كسر الخواطر والظّلم والاستبداد..

يجلس بجانبي شابٌ في مُقتبل العمر، وهو يُريدني أن اكتب عن سبب تواجده في هذه الديار الغريبة، ويلقي ذلك على كاهل والده السكير والذي كان يعامله كفئران المخابر، وكان ال.. هو خياره الوحيد..

وهذه سوزي والتي أتت من بلاد مُفلسة أخلاقيًا، رغم ثرواتها الطّائلة، وهي تُريد أن توصل رسالة لكل صديقاتها خشبيات القلب، اللواتي دفعنها لهذا المصير المشؤوم، بعد أن وضعن صورتها "السلفي" علي صفحات الفاسبوك، ودون أن يفكرن مرتين، كتبن تعليقات رخيصة، كادت تدمر سُمعتها وسمعة عائلتها الطيّبة..

وبجانبها فتاة من أصول هندية، حتى هذه الساعة لم أميّز ملامح وجهها الذي تحاول أن تخفيها بيديها وشعرها الأشعث، بعد أن فشلت كل عمليات التجّميل التي أجرتها على يد أحد المختصين المعروفين، والتي شوّهت انفها وشفتيها، وسلبتها حُسنها الفطري، وكان ال.. هو الحل الوحيد لمُصيبتها..

وفي الركن المُحاذي، تجلس شابة جميلة كوجه الّصبح، تتكلم بحذر شديد، وسمعتها تقول إنها قررت أن تضع حدّا لحياتها، بعد أن حاصروها كما تُحاصر القلعة، وحاربوها كما يُحارب العدو، عندما خلعت غطاء رأسها، وبالرغم من صغر سنها، نادوها بالكافرة! ولذلك قررت الرّحيل عن عالمهم القاسي المبتذل..

وبجانبها ذلك الشّاب المُلتحي الذي اتهموه بالإرهابي! وهو الذي كان يحمل اسّمى القيم..

وبقربه شابٌّ عزيز النّفس، سكب على نفسه (قنينة كاز) وقرر الفرار من عالمكم الافتراضي، هروبا من أنظمة دكتاتورية ظالمة، استولت على موارد بلاده الطبيعية، وتركت سُكانها يُعانون الأمرين، الفاقة وشظف العيش..

وآخر إثيوبي تعرّض كل الوقت للتنكيل والشتم، بسبب سحنته وجذوره الإفريقية!

من هم المسؤولون عن كل هؤلاء الشّبان؟ من هم المسؤولين عن التحليل والتحريم؟ يحللون ويحرمون، كما يحلو لهم؟ يقدسون أفكارهم ويستهترون بمبادئ الآخرين!

من هم هؤلاء يا أمي الذين جعلونا، نبني جُدرانا في داخلنا، ونعتبرها ضرورية، لحمايتنا من ذواتنا، ومن الآخرين.. وسُرعان ما نكتشف انها قاتلة لأرواحنا لما تحمله من جمود وعاهات..

وعزاؤنا هُنا، أننا دائما نتحدث عن مآسينا، رغم اننا لا نرى سوى عيون الألم والحسرة التي تحجب عنا ضوء الشّمس، والأمواج البيضاء.. ولكن.. عندما نتحدث..! ثمة جبال همْ تسقط عن كاهلنا، ويجف عناء الألم! ولكن عندما نحاول أن نحط على الأرض، يجرح أرجلنا الزُّجاج، زُجاج لعناتكم المُتواصلة، التي حولتنا لأوراق داكنة في أزار الخريف..

وعزائي الوحيد يا أمي؛ انه معي كثير من الذين فقدوا شهيتهم للحياة.. والمُصيبة إن عمت هانت! أليس كذلك..

اذكره يوم جنازتي، والتي تمت في عُجالة، كنت أتألم كثيرا وأتمزق، عندما رأَيتك ، تولولين وتلطُمين وجنتيك اللتين تورمتا من شدة البُكاء، وكانت أختي يارا، تجلس بجانبك، تبكي كطفلة أضاعت الدنيا، وآلمتني كثيرا يا أمي نظرة النّساء إليكن، وهن يسترقّن النظر من خلال شقوق النّوافذ، ومن خلف السّتائر، حتى النادبات الأجيرات رفضّن الحضور لجنازتي..


 كيف تجاسرتُ أن افعل ذلك بك وبأختي يارا، وبوالدي الذي أحرقت قلبي دموعه الصادقة، التي كانت تهمس لي؛ بأنه كان يحبني أكثر من أي شيء في وجوده، وانه يخشى عليّ حتى من نسمة الهواء.. آه كم كنت أنانيًا وضعيفًا!

"صحيح انه لا مجال لحجب الحقيقة، وصحيحُ انه ليس بوسعنا تجميل الحياة، ولكنني أُتمنى، رغم فعلتي السوّداء أن لا تسقط أمنياتي في ارض بور، رغم أنني سقطتُ في امتحان العيش الكريم.."

وهذه هي رسالتي لكل أولياء الأمور، ولكل هؤلاء الذين يظنون أنفسهم خبازين ماهرين، يحاولون التلويح برغيف الحياة، وفق مصالحهم ورغباتهم الشخصية، متجاهلين رغبات الآخرين، ولكل ضعاف النفوس الذين يستعجلون عجلة الزّمن، وينهون حياتهم في لحظات دون أن يدركوا، أن الحياة رحلة جميلة، تستحق أن نستمتع في كل خطوة نقوم بها من اجلها، لكي نحقق أحلامنا الذهبية، ولكي يصبح وجودنا عزيزا قويا..

وحياتي..؟ لا يمكن استرجاعها.. ولكنها رسالة لدموعك يا أمي، ولدموع جميع الأُمهات، التي لا أُريدها أن تسقط بعد..