كنوز نت نشر بـ 07/11/2017 01:25 pm  



في ذكرى مئويته المشؤومة،،، وعد بلفور وعد غربي بامتياز!!


الكاتب: دكتور محمد جبريني



يُجمع الكثير من الباحثين في تاريخ الصهيونية وإسرائيل، على أن الصهيونية كفكرة ودعوة ومشروع نشأت وانتشرت بين الأوروبيين من غير اليهود، واستغرقت عملية بلورتها ومن ثم بثها نحو الأوساط اليهودية للقبول بها والموافقة عليها واعتمادها أكثر من مائتي عام من الجهد والعمل الديني والفكري والسياسي والجغرافي المتواصل، تم بعدها تهويد الفكرة مع عقد المؤتمر الصهيوني الأول الذي ضم قادة الجماعات اليهودية المتصهينة .

يشتق إسم "الصهيونية" من كلمة "صهيون" التوراتية ، والصهيونية وفقاً للتعريف الإسرائيلي الرسمي، هي أيديولوجية تمثل التطلع المستمر لليهود في أنحاء العالم إلى استرداد وطنهم القومي التاريخي "أرض إسرائيل" . وترجع جذور الأمل اليهودي في العودة إلى وطنهم القومي إلى الفترة التي هاجر بها أسلافهم إلى بابل قبل حوالي 2500 سنة . وقد جمعت الصهيونية التي نشأت في القرن التاسع عشر فكرة العودة القديمة وحركة ناشطة وجعلتهما مؤهلتين معاً لتحقيق هذا الهدف . ويتمثل جوهر التفكير الصهيوني في مبدأ كون "أرض إسرائيل" المنشأ التاريخي للشعب اليهودي والإيمان بأن تواجد الشعب اليهودي في أي مكان آخر يعني العيش في المنفى .

ويُعتبر الكاتب والناشط اليهودي الصهيوني "ناثان بيرنبام" أول من صاغ لفظ الصهيونية كإسم أو مفهوم معبراً عن الفكرة والمشروع يخفي الجذر الأوروبي غير اليهودي لها. وكان أول ظهور لمصطلح الصهيونية عام 1890 وذلك في مقالة له نشرها في مجلة "التحرر الذاتي"، ويُعرِّف "بيرنبام" الصهيونية بأنها نهضة سياسية لليهود تستهدف عودتهم الجماعية إلى فلسطين كما أكد على أن الصهيونية ترى أن القومية والعرق والشعب شيئاً واحداً .

وقد شهد القرن السادس عشر مقدمات للدعوة الصهيونية حينما قام أحد اليهود ويُدعى "ديفيد روبيني" بدعوة يهود العالم لغزو فلسطين والاستيلاء عليها ولكن هذه الدعوة لم تجد لها أصداءً، وكانت دون جدوى، إلا أنه في آواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر اتخذت الدعوة الصهيونية صورة جدّية وبدأت تنشر أفكارها على العالم وتحاول التأكيد على مبادئها وأفكارها عن طريق العديد من الكُتَّاب اليهود الذين أخذوا يدّعون في كتاباتهم إلى العطف على اليهود ويناشدون يهود العالم على تحقيق ما أسموه بِـ "أرض الميعاد" .

وقد ساند هذه الدعوة العديد من أثرياء اليهود مثل "إدموند دي روتشيلد" أحد زعماء الفرع الفرنسي لعائلة "روتشيلد" المالية اليهودية والذي اهتم بأعمال الاستيطان اليهودي في فلسطين . وقد مارست الصهيونية خلال تلك الفترة ضغوطاً على الحكومات للسماح لهم بإقامة وطناً قومياً لليهود في فلسطين، وقدم اللورد "شافتسيري" مذكرة إلى وزير خارجية إنجلترا يطلب فيها مساعدة حكومته للعمل على إنشاء وطناً قومياً لليهود في فلسطين ولكن محاولة "شافتسيري" لم تجد لها صدى في إنجلترا في ذلك الوقت .

ولم يُشكل تعثر تلك المحاولات نهاية الدعوة، بل كانت دافعاً قوياً للبحث عن سبل أخرى لتحقيقها، وبالفعل أخذ الصهاينة يعقدون المؤتمرات لدراسة دعوتهم وكان منها المؤتمر الذي عُقد عام 1887، وتقرر فيه تنظيم الهجرة إلى فلسطين. وهكذا فقد أخذ الصهاينة يبحثون كيفية تحقيق آمالهم وطموحاتهم فعقدوا المؤتمر الصهيوني في “بازل” في سويسرا في 29 آب 1897، وهو المؤتمر الأشهر في تاريخ المؤتمرات الصهيونية حيث يُعد بداية العمل الفعلي للصهيونية. 

وفي هذا المؤتمر تم إنتخاب "ثيودور هرتزل" الذي كان له أكبر الأثر في تاريخ الصهيونية وتحقيق أحلامها وطموحاتها رئيساً للمؤتمر الصهيوني.

 وقد أسفر المؤتمر عن إنشاء "المنظمة الصهيونية العالمية" كإطار منظم لنشاط جميع التيارات الصهيونية، وجميع الجهود سواء كانت فردية أو جماعية بهدف إقامة الدولة الصهيونية، وبناءً عليه بدأت المنظمة الصهيونية عملها تحت اسم "الوكالة اليهودية"، حيث استهدفت تقديم الدعم والمساعدة لليهود المهاجرين إلى فلسطين .

ويتضمن تاريخ الصهيونية الغربية كماً كبيراً من التواريخ بدءاً من القرن السادس عشر من تطور هذه الصهيونية عبر مراحلها المختلفة؛ بدءاً من الإصلاح الديني البروتستانتي وتعبيراته اليهودية مروراً بما أنتجته الثقافة الغربية من فكر وأدب، وصولاً إلى البلورة السياسية للفكرة. ففي عام 1649، أرسل اللاهوتيان الإنجليزيان "جوانا وايبنز كارترايت" نداءً من هولندا إلى الحكومة البريطانية جاء فيه: "ليكن شعب إنجلترا وسكان الأراضي المخفوضة أول من يحمل أبناء وبنات إسرائيل على سفنهم إلى الأرض التي وعد الله بها أجدادهم إبراهيم وإسحق ويعقوب لتكون إرثهم الأبدي" .

وفي عام 1818، دعا الرئيس الأميركي "جون آدامز" إلى إعادة اليهود لفلسطين وإقامة حكومة مستقلة لهم . وفي عام 1839، أصدر اللورد "بالمرستون" الذي شغل منصبي وزارة الخارجية ورئاسة الوزراء في بريطانيا تعليمات إلى القنصل البريطاني في القدس "وليام يونغ" بمنح اليهود في فلسطين الحماية البريطانية لضمان سلامتهم وصيانة ممتلكاتهم وأموالهم .

وأثناء عقد مؤتمر الدول الأوروبية في لندن عام 1840، قدم اللورد "شافتسيري" مشروعاً إلى "بالمرستون" سماه مشروع "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" داعياً إلى أن تتبنى لندن إعادة اليهود إلى فلسطين وإقامة دولة خاصة بهم ومحذراً من أنه لو تقاعست بريطانيا عن تنفيذ هذا المشروع؛ فإن هناك احتمالاً كبيراً لتنفيذه على يد دولة أخرى كروسيا مثلاً. وتبنى "بالمرستون" خلال المؤتمر مشروعاً يهدف إلى "خلق كومنولث يهودي" في النصف الجنوبي من سورية، أي فوق المساحة التي شغلتها "فلسطين التوراتية" .

وفي عام 1844، ألف البرلمان الإنجليزي لجنة "إعادة أمة اليهود إلى فلسطين"، وفي العام نفسه تألفت في لندن "الجمعية البريطانية والأجنبية للعمل في سبيل إرجاع الأمة اليهودية إلى فلسطين". وألح رئيسها القس "كريباس" على الحكومة البريطانية كي تُبادر للحصول على فلسطين كلها من الفرات إلى النيل ومن المتوسط إلى الصحراء .

وقد ترافقت هذه الدعوات مع جملة نشاطات ثقافية واستكشافية لفلسطين أهمها إصدار الكتب وتشكيل اللجان والجمعيات الدينية والثقافية والسياسية وحتى الجغرافية كما هي الحال بالنسبة إلى إنشاء صندوق اكتشاف فلسطين. وأبرز كتاب صدر في القرن السادس عشر هو كتاب "مارتن لوثر" بعنوان "عيسى ولد يهودياً" الذي صدر عام 1523، وأعيد طبعه سبع مرات في العام نفسه، وشرح فيه المواقف المؤيدة لليهودية ودان اضطهاد الكنيسة الكاثوليكية لليهود محتجاً بأن المسيحيين واليهود ينحدرون من أصل واحد .

وبعد مرور نحو مائة عام على بَذر مجموعة الأفكار والرؤى الصهيونية الغربية ونشرها بدأت هذه الصهيونية بالتعبير عن ذاتها من خلال مجموعة نشاطات ومشاريع توطين لليهود. وشملت هذه المشاريع ما يزيد على تسعة وعشرين بلداً في القارات الخمس من أُستراليا إلى آسيا وإفريقيا وأوروبا وحتى القارة الأميركية بقسميها الشمالي والجنوبي، وتركز معظمها في الدول العربية بالدرجة الأولى تليها الدول الإفريقية. وعلى رغم كثافة الكتابات عن اليهود وفلسطين، إلا أن معظم تلك المشاريع كانت خارج فلسطين وبعيداً منها .

أما أبرز المشاريع في نهاية القرن الثامن عشر فتتمثل في دعوة "نابليون بونابرت" اليهود للالتحاق بجيشه والمحاربة من أجل إقامة دولة لهم في فلسطين برعاية وحماية فرنسية. وتعد هذه أهم المشاريع التي عرضتها الصهيونية الأوروبية غير اليهودية قبل صدور "وعد بلفور" عام 1917. اذ كان "بونابرت" أول رجل دولة يقترح إقامة دولة يهودية في فلسطين قبل "وعد بلفور" بـنحو 118 سنة" .

إلا أن فشل "نابليون" في احتلال عكا، وفشل حملته كلها على مصر بعد ثلاث سنوات فقط من غزوها، واضطراره إلى الهرب منها والعودة إلى فرنسا قد حطمت آماله في إمبراطورية فرنسية في الشرق، تأخذ على عاتقها إقامة دولة لليهود على أرض فلسطين لتكون مرتكزاً وقاعدة لهذه الإمبراطورية . 

والأهم من ذلك أن يهود أوروبا، كما يهود الشرق، لم يُبدوا اهتماماً كبيراً بدعوات أو نداءات "نابليون" الصهيونية، ربما لأن الصهيونية لم تكن قد تبلورت بعد كفكرة وليس فقط كمشروع سياسي بين اليهود أنفسهم، ولم تكن قد تبلورت بينهم فكرة أنهم شعب أو أمة ذات حقوق سياسية. فالظروف الذاتية لكل من فرنسا واليهود ومعها الظروف الموضوعية العربية والدولية أسهمت في فشل حملة "نابليون" وحالت دون تحقيق أهدافها الفرنسية أولاً واليهودية تالياً .

وبعد مرور نصف قرن على فشل "نابليون بونابرت" في مصر، تمكنت فرنسا بقيادة الإمبراطور "نابليون الثالث" من الحصول على امتياز شق قناة السويس عام 1854 مستعيدة من جديد نواياها الاستعمارية السابقة في مصر والمشرق العربي وسط تنافس شديد مع بريطانيا التي بلورت أكثر الفكرة الصهيونية، وبلورت معها مشاريعها من أجل السيطرة لاحقاً على المنطقة، وتحديداً قبرص التي احتلتها عام 1878، ومصر التي احتلتها عام 1881. 

واستعاد الإمبراطور الفرنسي الجديد ما فعل سابقه في شأن فكرة توطين اليهود في فلسطين. وظهرت هذه الاستعادة من خلال شخصيتين قريبتين منه، أولهما "جان دونان" الذي أسس في باريس "جمعية استعمار فلسطين" وثانيهما "ايرنست لاهران" الذي دعا في عام 1860، إلى بناء دولة يهودية في فلسطين تحت حماية فرنسا "تمتد حدودها من السويس إلى ميناء أزمير بما في ذلك كامل المنطقة غربي جبال لبنان" .


وفيما بعد، اختار "هرتزل" الأرجنتين في كتابه "دولة اليهود" لتكون أحد الموقعين المحتملين لإقامة الدولة اليهودية، أما الموقع الآخر فكان فلسطين .

 وقد اقترح "هرتزل" في تشرين الأول/ أكتوبر 1902، على وزير المستعمرات البريطاني "جوزيف تشمبرلين" مشروع مستعمرة يهودية في العريش وفي سيناء. وقال في مذكرة للحكومة البريطانية: "سيكون لإنكلترا عشرة ملايين عميل من أجل عظمتها وسيطرتها" . إلا أن المشروع فشل بسبب رفض الحكومة المصرية وفتور الجانب البريطاني.

وفي تموز عام 1903، أجرى "هرتزل" اتصالات مع "فرانتز فيليبسون"، وهو مستثمر يهودي بلجيكي كان يمتلك احتكارات كبيرة في الكونغو، بغرض استمالته لتأييد فكرة إقامة دولة يهودية في الكونغو (التي كانت محتلة من بلجيكا) والتوسط لدى ملك بلجيكا لتبني المشروع . وخلال عامي 1903 و1904، حاول "هرتزل" إقناع السلطان العثماني باستيطان اليهود في جنوب العراق، إلا أن السلطان رفض فكرة الاستيطان اليهودي الجماعي مبدياً موافقة على الاستيطان بشكل فردي وفي مناطق مختلفة داخل العراق أو خارجها شرط أن يحصل المستوطنون اليهود على الجنسية العثمانية .

واقترح "هرتزل" على ملك إيطاليا عام 1904، توجه هجرة اليهود الفائضة نحو طرابلس الغرب ضمن قوانين إيطاليا وأنظمتها. وبتشجيع من بريطانيا استمرت الفكرة قائمة وكادت المساعي الصهيونية أن تكلل بالنجاح. وفي عام 1908 أرسلت المنظمة الإقليمية اليهودية بعثة من الخبراء لتدرس أحوال برقة طمعاً باتخاذها مسرحاً إقليمياً للاستعمار اليهودي وإقامة مستعمرة يهودية قومية تتمتع بالاستقلال الذاتي في ليبيا .

ومن بين الأقاليم الأخرى التي دار حولها البحث للاستيطان اليهودي كلاً من إكوادور وبيرو وغينيا الجديدة ومدغشقر .

كانت الصهيونية السياسية بقيادة "هرتسل" بصدد البحث عن موقع جغرافي لمشروعها. ومن هنا زاوجت بين علمانيتها، وبين الديانة اليهودية كي تُجند الكثافة الديمغرافية لمشروعها. وعليه، فهذا يُبين المشترك الإمبريالي وتلاقي المصالح بين الصيهونية والرأسمالية الأوروبية الغربية؛ بمعنى أن كليهما أخذ يبحث عن استعمار مناطق خارج الوطن الأصلي، الأولى بحثاً عن مكان لاستعمار استيطاني، والثانية بحثاً عن مستعمرات. 

وهذا يفتح على حقيقة هامة هي أن الصهيونية لم تجد لمشروعها مكاناً مناسباً في أوروبا، وبما أن مناخ الإستعمار الإستيطاني كان سائداً في أوروبا في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، فالصهيونية كحركة استيطانية، عانت من أزمة الرأسمالية في تلك الفترة، ووجدت أن خلق مشروعاً استيطانياً هو حلاً لطموحها. أما اعتماد اليهود كمكون بشري لها، فقد دفعها لإحياء مزاعم التوراة بشأن "أرض الميعاد" وزعم تواصل ما يسمى بتاريخ إسرائيل .

لقد بيّنا بأكثر من ملاحظة أن "دولة يهودية" غربية في فلسطين ليست فكرة يهودية صهيونية بل استعمارية أوروبية. وعليه، قد تكشف التنقيبات البحثية أن الحركة الصهيونية استقرت على فلسطين تحت رغبة وضغط الدول الكبرى، وهي رغبة، بل مصلحة التقطها "هرتسل" لاحقاً وطالب أن يكون هذا الإستيطان بحماية "الدول الكبرى مجتمعة"، وقد اجتمعت ولا تزال. لذا، وبعد أن فهمت الحركة الصهيونية ما ارادته الدول الغربية التي هدفت إلى خلق دولة وظيفية في فلسطين، وليس دولة لليهود كيهود في أي مكان يختارونه، تحدث "هرتسل" عن "الدول الكبرى مجتمعة" وبالتالي رفض عرض السلطان عبد الحميد بمنح اليهود حق الاستيطان الاستعماري في العراق وسوريا والأناضول واستثنى فلسطين مما دفع "هرتسل" إلى رفض العرض" .

ويُستنتج مما تقدم أن الصهيونية كفكرة نشأت وترعرعت وتبلورت في مشاريع توطينية في أوروبا وتحديداً في غربها، واستغرق ذلك نحو قرنين من الزمان إلى أن تلقفها اليهود وانتظموا في أطرها الفكرية والتنظيمية وبدأوا التعاطي مع مشاريعها. 

وانتظمت في جمعيات وحركات ومن ثم تمشرعت في مشاريع توطينية من الأوروبيين بهدف؛ تخليص أوروبا من اليهود خصوصاً بعد تزايد هجراتهم من جزئها الشرقي إلى الجزء الغربي أثر التطور الصناعي والتجاري الذي شهدته وما تبع ذلك من تطور في اتجاه تزايد النشاط الاستعماري في مختلف أشكاله بما فيه التوطيني كما حصل في أميركا وأُستراليا وجنوب إفريقيا ، وتوطين اليهود في بقعة ما وتأسيس دولة لهم تكون محمية وتابعة وخادمة في الوقت ذاته للدولة الحامية والمانحة لهذا التوطين .

إن توطين اليهود وإقامة دولة خاصة بهم كان من الممكن أن يتم في أي بقعة من الأرض خارج أوروبا. فالحركة الصهيونية وحتى عقد مؤتمراتها الأولى وإنشاء المنظمة الصهيونية العالمية وغيرها من الهيئات الصهيونية وحتى مع بدء إنشاء المستوطنات اليهودية الأولى في فلسطين عكست هذا المنشأ الأوروبي الاستعماري التوطيني من خلال سعيها واستعدادها للقبول بوطن يهودي في أي مكان من العالم، وبالتالي فإن توطين اليهود لم يكن بالضرورة ليتم في فلسطين .

إن اختيار فلسطين لإنشاء وطناً قومياً لليهود فيها من جانب بريطانيا عام 1917، جاء إثر هزيمة تركيا وحلفائها في الحرب العالمية الأولى وإثر التوافق الذي تم بين بريطانيا وفرنسا، بصفتهما أكبر قوتين أوروبيتين خاضتا الحرب متحالفتين معاً، في شأن اقتسام المشرق العربي كما تبلور في اتفاقات "سايكس بيكو" عام 1916 .

وعد بلفور والوطن القومي لليهود:

أصدر وزير الخارجية البريطاني "جيمس آرثر بلفور" يوم 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، تصريحاً مكتوباً وجهه باسم الحكومة البريطانية إلى اللورد "ليونيل والتر روتشيلد"، يتعهد فيه بإنشاء "وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين"، واشتهر التصريح باسم "وعد بلفور" .

وقد اختلفت التفسيرات والدوافع وراء هذا الوعد، فــ "بلفور" نفسه برره بأنه بدافع إنساني، في حين اعتبره اليهود مكافأة للباحث "حاييم وايزمان" لخدمته بريطانيا باكتشافات علمية أثناء الحرب العالمية الأولى .

ويرفض باحثون عرب هذه التفسيرات استناداً إلى أحداث وقراءات تاريخية مفادها أن "بلفور" لم يكن يفكر في مأساة اليهود الإنسانية، بل على العكس من ذلك فقد رفض التدخل لدى الروس لمنعهم من اضطهاد اليهود. 

كما أن مساهمة اليهود في دعم بريطانيا في الحرب كانت محدودة ومقتصرة على بعض اليهود غير الصهاينة .

أما "لويد جورج" الذي أصدرت حكومته الوعد فقد برر القرار في كتابه "الحقيقة حول معاهدات الصلح" بعدة عوامل منها ما يُفيد بأنه كان هناك سباق مع ألمانيا حول كسب اليهود إلى جانبهم. ورأت بعض الصحف البريطانية حينها في "وعد بلفور" إيجاداً لقاعدة صهيونية في فلسطين لحماية مصالح بريطانيا في المنطقة، فضلا عن مد نفوذها الإمبراطوري إلى هناك .

أما الرؤية العربية والإسلامية فترى أنه كان هناك سعياً صهيونياً حثيثاً جعل الوعد جزءاً من الحركة الاستعمارية التي ربطت الصهيونية بها لتحقيق أهدافها في المنطقة، خاصة أنه أعقب الوعد بفترة قليلة بداية الاستعمار الفعلي لفلسطين، حيث أتم البريطانيون إخضاعهم لفلسطين ما بين عامي 1917 و1918، ورافق الوعد سياستهم في فلسطين منذ صدوره وحتى خروجهم منها . فالوعد كان حاضراً في مؤتمر "سان ريمو" عام (1920) الذي منح فيه الحلفاء بريطانيا حق الانتداب على فلسطين، وكان حاضراً في عصبة الأمم التي صادقت في يوليو/ تموز 1922 على صك إقرار الانتداب البريطاني؛ فالصك كان يتضمن في مقدمته نص تصريح "وعد بلفور" مع تخويل لبريطانيا بتنفيذ الوعد . كما كان الوعد حاضراً في دستور فلسطين الذي أصدرته بريطانيا بعد أسبوعين من إقرار انتدابها أممياً، حيث ضمنت مقدمته نص تصريح "وعد بلفور" أيضاً .

هذا كله أعطى الوعد قيمة قانونية دولية بغض النظر عن صحتها، وأصبح مرجعاً فعالاً للاعتراضات اليهودية والصهيونية لكل من يعتقدون أنه يخالف نص هذا الوعد أو تفسيراته. خاصة أن ردود فعل الدول الكبرى –المؤثرة- على الوعد حين صدوره كانت مفعمة بتأييد واضح، فوقتها أيدت الوعد فرنسا وإيطاليا وأميركا بطريقة تسمح للبعض بالقول إن "وعد بلفور" كان وعداً غربياً وليس بريطانياً فحسب، أو أنه تأييد يرقى إلى منزلة "الوعد"، خاصة من الولايات المتحدة التي تشاركت النفوذ البريطاني في فلسطين في مراحل لاحقة قبل أن ترثه . فقد أصدر الكونغرس الأميركي عام 1922، قراراً أيد فيه "وعد بلفور" بإقامة وطناً قومياً للشعب اليهودي في فلسطين، وقد تقدمت هذه السياسة مع تزايد النفوذ الأميركي في المنطقة حتى أصبح تعهداً إستراتيجياً أميركياً برعاية إسرائيل وحمايتها .
مقتطفات من كتابي "إسرائيل وتأسيس الدولة الفلسطينية"، مع حفظ المصادر.