كنوز نت نشر بـ 26/09/2017 12:01 pm  


المقابر شاهد حيّ على الجريمة


قراءة المحامي حسن عبادي رواية "ماميلا" للروائية الفلسطينية ميرفت جمعة.


قد تكون هزيمة الجغرافيا والتاريخ مجرّد جريمة قتل عابرة مقارنة بهزيمة الذاكرة التي تعتبر مجزرة. فالاحتلال الصهيوني للقدس يعمل على محو الذاكرة الفلسطينية والتخلّص منها وفبركة التاريخ وتجييره – قولًا وفعلًا !!

 قرأت رواية "ماميلا" للكاتبة الفلسطينية ميرفت جمعة الصادرة عن دار الرعاة للدراسات والنشر وتحوي 191 صفحة ، وهذه روايتها الثانية (الأولى كانت "ما وراء الجسد") وتقول في الإهداء :"إلى أبي... سأظل أشاكس الأموات، حتى يأخذني الله إليك"!

مسرح أحداث الرواية في حديقة ماميلا – مقبرة مأمن الله – مقبرة إسلامية عريقة من أشهر وأكبر المقابر الإسلامية في فلسطين، خضعت منذ النكبة لمخطّطات إسرائيلية متتالية لطمس معالمها، فجزء كبير من المقبرة تحوّل إلى حديقة عامة أطلقوا عليها اسم "حديقة الاستقلال" وتقام فيها المهرجانات والاحتفالات، وجزء آخر تحوّل إلى "متحف التسامح"؟!؟ والجزء الأكبر تحوّل إلى موقف سيارات حيث تم جرف غالبيّة مساحة المقبرة ونبش قبورها لتهويد القدس وطمس وإخفاء معالمها التاريخيّة الإسلامية.

تدمير المقبرة، كغيرها من مقابر فلسطين، يصبو إلى محو الهويّة الفلسطينيّة من الحيّز والإسراع في تهويد المعالِم من أجل صياغة صورة جديدة وخلق حيّز يهودي للمكان من خلال الهدم والتجريف كي لا تبقى تلك القبور شاهدًا على تلك الجريمة النكراء وعلى التطهير العرقي المقيت لفلسطين.

أخذتني قراءة الرواية إلى كتاب المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد "مسألة فلسطين" The Palestinian Question"" (تصادف هذه الأيام ذكرى وفاته) . من خلاله حاول استعراض الحقائق التاريخية لشعب فلسطين ليُفنّد الدعاية الصهيونية بعدم وجود شعب في أرض فلسطين قبل غزوها واستعمارها وتغيير معالم المقبرة جزء من تلك المؤامرة المستمرّة لمحو الهويّة الفلسطينيّة وتوطيد الرواية الصهيونية وتدعيمها.

تُحدثنا الرواية بإسهاب من خلال رحلة روحيّة، أحيانا حيّا وأخرى ميّتا، حياة (كنان)، أحد العُمّال العرب الذي يعمل سائق شاحنة وعتّالا، والوقائع التي تحدث معه خلال عمله في مقبرة ماميلا المقدسية، فظاهرة تشغيل العمّال العرب بجرف القبور وبناء المستوطنات وخدمة اقتصاد الاحتلال هي قضيّة قوميّة وجوديّة تستحق البحث والدراسة.

في الرواية حضور هام للمرأة الفلسطينية في شخصية بهية وأم شهاب وفي زيّهما الفلسطيني المطرّز لمحاولة حفظ الذاكرة، "يبدو أن النساء فيما بعد خفن على الذاكرة أن تتبعثر فغرزنها بالإبر المسنّنة على الأثواب لتصبح لاحقا شاهدًا يحمل تاريخ المكان من جيل إلى جيل كما تفعل الأهازيج القديمة".


يقول نقولا عقل في تظهيره للرواية "ماميلا هي كل فلسطين و"كنان" يمثل الشعب الفلسطيني كما رسمته الكاتبة سلبًا وإيجابًا" بعد إدراكه ووعيه لما يحدث له ولشعبه لتكون وقعًا هامًا للرواية التراثية للتاريخ الفلسطيني.

 تسلط ميرفت جمعة في روايتها الضوء على مواضيع عدة كانتهاك حرمة المقابر، تهجير الفلسطينيين من بيوتهم ومشاركة العرب كونهم الأيدي العاملة.

قراءة الرواية لم تكن سهلة لكونها تتنقل بين حقبات تاريخية مختلفة وتتطرق لمواضيع شتّى فشعرت كقارئ بالضياع بين ما هو حقيقة وما هو خيال.

أسلوب الكاتبة مشوّق ولغتها غنية، لكن رأيها الشخصي السلبي في عدة مواضيع (الصليبيين، اليهود والمثليّين) يعيب من موضوعيتها ككاتبة وأديبة. إن تركيز الكاتبة على العلاقة الجنسيّة المثليّة التي قام بها يهود داخل أسوار المقبرة هو إقحام مصطنع لتقزيز وتنفير القارئ من اليهودي المحتلّ، رغم أن إقامة علاقات جنسيّة داخل المقبرة هي انتهاك لحرمة الموتى والقبور بغضّ النظر عن هويّة من يقيمها – أكان عربيّا أم يهوديا ، رجلّا أم امرأة ، مثليًا أم غيره.

إن الرواية ليست برواية تاريخيّة بموجب المعايير العلميّة وإنما اتخذت ميرفت من التاريخ ودراسته كأرضيّة وركيزة بنت عليها روايتها، رواية القدس ومكانتها التاريخية وكينونتها وصيرورتها عبر التاريخ والاحتلال الذي غيّر معالمها التاريخية والجغرافية والاجتماعية، بممحاته وقلمه المبريّ، ببطء وصمت لشطبنا من كتب التاريخ وخرائط الجغرافيا ليخلق واقعًا آخر يخدم روايته المهجّنة، وهي -القدس- ما زالت تستغيث لحمايتها وما من مُجيب.

الرواية مليئة بالأخطاء اللغوية والنحوية ويبرز جليًّا غياب وتهميش صاحب صورة الغلاف الرائعة الذي لم يُعطى حقّه ؟!؟ ولم توضح الكاتبة إذ كانت علاقة بينها وبين الرواية؟ وهل هي صورة تاريخية لحديقة ماميلا في زمن مضى ... وسيعود حتمًا!